الإثنين 22 يونيو 2026
أخبار الشرق

اعتماد أربع هيئات جزائرية لدى اليونسكو يعزز مكانة الجزائر في صون التراث اللامادي

حققت الجزائر مكسبا ثقافيا جديدا على المستوى الدولي بعد اعتماد أربع جمعيات وهيئات وطنية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ضمن قائمة 59 منظمة غير حكومية جديدة حازت صفة الاعتماد الاستشاري لدى اتفاقية 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي.

ويأتي هذا الإنجاز خلال أشغال الدورة الحادية عشرة للجمعية العامة للدول الأطراف في الاتفاقية، التي انعقدت يومي 17 و18 جوان الجاري بالعاصمة الفرنسية باريس، في خطوة تؤكد تنامي حضور المجتمع المدني الجزائري في المحافل الدولية المختصة بحماية التراث الثقافي.

ويكتسي هذا الاعتماد أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المنظمات غير الحكومية المعتمدة لدى اليونسكو، حيث يخول لها تقديم الخبرة والمشورة التقنية للجنة الدولية الحكومية المشتركة المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاقية 2003، والمساهمة في تقييم ملفات التراث المرشحة للتسجيل، فضلا عن المشاركة في إعداد البرامج والمبادرات الرامية إلى حماية الموروث الثقافي غير المادي عبر العالم. ويعد الحصول على هذه الصفة تتويجا لمسار طويل من النشاط الميداني والعلمي والتوعوي الذي تقوم به الجمعيات في مجال حماية التراث وصونه ونقله للأجيال القادمة.

وفي هذا الإطار، سارعت وزيرة الثقافة والفنون الدكتورة مليكة بن دودة إلى تهنئة الجمعيات الجزائرية الأربع التي حظيت بهذا الاعتراف الدولي، وهي جمعية الموحدية لحماية التراث التاريخي والثقافي والسياحي بندرومة، والجمعية الثقافية “بسكرة تقرأ”، وفريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى “GEHIMAB”، إلى جانب جمعية إمكراس للفولكلور والتراث بوادي ميزاب بغرداية، معتبرة أن هذا الإنجاز يعكس المكانة التي باتت تحتلها الجزائر في مجال حماية التراث الثقافي غير المادي على المستويين الإقليمي والدولي.

جمعية الموحدية.. مسار طويل في خدمة التراث الأندلسي

ويبرز ضمن الهيئات الجزائرية المعتمدة اسم جمعية الموحدية لحماية التراث التاريخي والثقافي والسياحي بمدينة ندرومة، التي راكمت خلال السنوات الماضية تجربة معتبرة في مجال المحافظة على التراث الأندلسي والتعريف به. فقد عملت الجمعية على تنظيم ملتقيات علمية وندوات وطنية ودولية تناولت مختلف جوانب التراث الثقافي لمدينة ندرومة، كما ساهمت في نشر عدد من المؤلفات والدراسات المتخصصة وإصدار أسطوانات موسيقية تهدف إلى حفظ التراث الموسيقي الأندلسي وتوثيقه. ولم يقتصر نشاط الجمعية على الجانب الأكاديمي فحسب، بل امتد إلى إقامة شراكات ومشاريع تعاون مع مؤسسات وهيئات أجنبية مهتمة بحماية التراث المشترك في حوض البحر الأبيض المتوسط، ما جعلها تحظى بمكانة متميزة في مجال صون التراث الأندلسي. وترى وزارة الثقافة أن اعتماد الجمعية لدى اليونسكو يمثل اعترافا دوليا بالدور الذي تؤديه مدينة ندرومة باعتبارها إحدى الحواضر التاريخية التي حافظت على جزء مهم من الذاكرة الأندلسية في الجزائر.

“بسكرة تقرأ”.. من تشجيع المطالعة إلى حماية التراث بالذكاء الاصطناعي

أما الجمعية الثقافية “بسكرة تقرأ”، فقد استطاعت أن تقدم تجربة مختلفة في العمل الثقافي، تقوم على المزج بين تشجيع القراءة وحماية التراث الثقافي غير المادي وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في خدمة الثقافة. فمنذ تأسيسها في فيفري 2017، نجحت الجمعية في بناء شبكة واسعة من الأنشطة الثقافية والتربوية التي تستهدف مختلف فئات المجتمع، خاصة فئة الشباب والأطفال. وتتميز تجربة الجمعية باعتمادها على مقاربة حديثة تجمع بين المحافظة على الموروث الثقافي والاستفادة من أدوات العصر الرقمي، حيث عملت على إطلاق مشاريع لرقمنة الروايات الشعبية والحكايات الشفوية وتوثيق المعارف التقليدية، إلى جانب تنظيم تظاهرات وهاكاثونات متخصصة في استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية من أجل إيجاد حلول مبتكرة لحماية التراث اللامادي من الضياع والاندثار. كما عززت حضورها العلمي من خلال شراكات مع مراكز البحث والجامعات، الأمر الذي جعلها تحظى بتقدير الهيئات الدولية المختصة بالتراث والثقافة.

GEHIMAB.. إعادة اكتشاف الدور العلمي لبجاية

ويعد اعتماد فريق الدراسات حول تاريخ الرياضيات في بجاية في القرون الوسطى “GEHIMAB” تتويجا لمسار علمي وبحثي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود. فهذه الهيئة العلمية التي تأسست سنة 1991 جعلت من استعادة الذاكرة العلمية للجزائر والمغرب الإسلامي أحد أهم أهدافها، حيث اهتمت بإبراز إسهامات العلماء الجزائريين في مجالات الرياضيات والفلك والملاحة والعلوم التطبيقية خلال العصور الوسطى. وعمل الفريق بقيادة البروفيسور جميل عيساني على إنجاز عشرات الدراسات والمؤلفات العلمية، فضلا عن تأسيس هياكل بحثية ومتاحف ومراكز توثيق تعنى بتاريخ مدينة بجاية وتراثها العلمي. كما ساهم في حماية عدد من المكتبات والمخطوطات النادرة التي تشكل جزءا مهما من الذاكرة الوطنية. وقد حظيت أعمال الفريق خلال السنوات الأخيرة بإشادة دولية واسعة، تجسدت من خلال جوائز أكاديمية مرموقة وإدراج بعض مشاريعه ضمن أفضل الممارسات العالمية المعترف بها من قبل اليونسكو.

إمكراس.. حارس التراث المزابي

ومن الجنوب الجزائري، سجلت جمعية إمكراس للفولكلور والتراث بوادي ميزاب حضورها ضمن قائمة المنظمات المعتمدة، بعد سنوات من النشاط الموجه للحفاظ على التراث الثقافي لمنطقة غرداية ووادي ميزاب. وتعمل الجمعية على توثيق العادات والتقاليد والفنون الشعبية والحرف التراثية التي تزخر بها المنطقة، فضلا عن مساهمتها في تنظيم تظاهرات ومهرجانات تهدف إلى التعريف بالتراث المزابي داخل الجزائر وخارجها. وقد اعتبرت وزارة الثقافة أن هذا الاعتماد يمثل اعترافا دوليا بقيمة الجهود المبذولة للحفاظ على هذا الموروث الثقافي الفريد، خاصة أن وادي ميزاب يعد من أبرز الفضاءات الثقافية والحضارية في الجزائر. كما نوهت بحضور ممثل الجمعية المهندس عمر بكلي في أشغال الجمعية العامة لليونسكو مرتديا اللباس التقليدي الجزائري، في صورة عكست عمق الهوية الوطنية وتمسك الجزائريين بموروثهم الثقافي.

مكسب استراتيجي للدبلوماسية الثقافية الجزائرية

ويؤكد اعتماد أربع هيئات جزائرية دفعة واحدة لدى اليونسكو المكانة المتنامية التي باتت تحتلها الجزائر في مجال صون التراث الثقافي غير المادي، كما يعكس نضج المجتمع المدني الثقافي وقدرته على الانتقال من النشاط المحلي إلى التأثير في السياسات الدولية المتعلقة بحماية التراث. ويرى مختصون أن هذا الإنجاز سيفتح أمام الجمعيات الجزائرية آفاقا جديدة للتعاون الدولي وتبادل الخبرات والمشاركة في البرامج العالمية الخاصة بصون التراث.

كما يشكل هذا التتويج رسالة قوية تؤكد أن الجزائر لا تكتفي بحماية تراثها داخل حدودها الوطنية، بل أصبحت شريكا فاعلا في الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث الإنساني المشترك، مستندة إلى ثراء ثقافي وحضاري يمتد من مدن الشمال العريقة إلى واحات الجنوب، ومن التراث العلمي والمعرفي إلى الفنون الشعبية والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

سلمى حطاب

مواضيع ذات صلة

“ونحن” يعيد ذاكرة الثورة إلى شاشة المكتبة الرئيسية بعنابة

akhbarachark

نادي “أوراق العناب”  ينظم جلسة أدبية لمناقشة إصدار الكاتب إلياس لعرافة 

akhbarachark

افتتاح مكتبة “عمار العسكري” بعد استكمال أشغال التأهيل والتجديد بعنابة

akhbarachark