لم يكن اللباس التقليدي في مدينة عنابة يوما مجرد وسيلة للزينة أو مظهر يرتبط بالمناسبات والأعراس فقط، بل شكل عبر عقود طويلة جزءًا أصيلا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمدينة، ومرآة تعكس خصوصياتها الحضارية وذوقها الفني المميز.
وفي مدينة عرفت تاريخيًا بتنوعها الثقافي وموقعها المتوسطي المنفتح على حضارات متعددة، حافظت الأزياء التقليدية على حضورها داخل البيوت والعائلات، لتبقى شاهدة على مراحل مختلفة من تاريخ المجتمع العنابي. ومن بين أبرز هذه الأزياء، تبرز “الفرملة” أو القفطان العنابي كواحدة من أهم رموز اللباس التقليدي النسوي بمدينة عنابة، وقطعة ارتبطت بالعروس العنابية وبالأعراس والمناسبات العائلية الكبرى، لتصبح مع مرور الزمن عنوانًا للأناقة والأصالة، وعنصرًا أساسيًا من عناصر التراث المحلي الذي لا يزال يحظى بمكانة خاصة لدى العائلات العنابية. وعرفت عنابة، أو “بونة” التاريخية، تنوعًا ثريًا في اللباس التقليدي النسوي، من قندورة قطيفة الجنوة المطرزة بخيوط الفتلة، إلى القاط العنابي، وصولًا إلى الفرملة العنابية التي حملت بصمة خاصة في الشكل والزخرفة والتفصيل، ما منحها تميزًا واضحًا ضمن أزياء الشرق الجزائري.
الفرملة العنابية.. قفطان يحمل بصمة بونة القديمة
تعد الفرملة العنابية أكثر من مجرد لباس احتفالي؛ فهي قطعة فنية تجمع بين مهارة الحرفية التقليدية، ودقة التطريز، وحسن اختيار الأقمشة والخامات. وتتميز عادة باستعمال أقمشة راقية، خاصة القطيفة الفاخرة، إلى جانب زخارف دقيقة منفذة بتقنيات التطريز التقليدي التي اشتهرت بها المنطقة. كما تحضر في الفرملة العنابية تفاصيل جمالية خاصة، سواء من خلال أشكال الزخارف النباتية والهندسية، أو عبر توظيف خيوط الزينة المعدنية التي تمنح اللباس فخامة واضحة، وهو ما جعلها تحافظ على شخصيتها المحلية الخاصة رغم تطور الأزياء وتغير الأنماط الجمالية المعاصرة.
ولم تكن الفرملة مجرد لباس ترتديه المرأة في المناسبات؛ بل كانت عنصرًا مهمًا داخل جهاز العروس العنابية، يعكس المكانة الاجتماعية للعائلة واهتمامها بالموروث التقليدي. لذلك كانت تحاط بعناية خاصة، وتخاط أحيانًا حسب الطلب، مع الحرص على التفاصيل الدقيقة التي تمنح كل قطعة طابعًا فريدًا. ويشير مهتمون بالتراث إلى أن خصوصية الفرملة العنابية لا تكمن فقط في شكلها الخارجي، بل في الرصيد الثقافي الذي تحمله، باعتبارها نتاجًا لتقاليد حرفية تناقلتها النساء والخياطات والحرفيات عبر الأجيال.
قطع عائلية تحفظها الذاكرة.. وأرشيف حي لتاريخ اللباس العنابي
في العديد من البيوت العنابية القديمة، ما تزال بعض العائلات تحتفظ بقطع أصلية من الفرملة التقليدية ضمن مقتنياتها الخاصة، باعتبارها جزءًا من الإرث العائلي والذاكرة النسوية المحلية. بعض هذه القطع يعود إلى بدايات القرن الماضي، وتحمل في تفاصيلها آثار الزمن، لكنها لا تزال شاهدة على مستوى الإتقان الفني الذي بلغته صناعة اللباس التقليدي في عنابة. وتتحول هذه القطع القديمة إلى وثائق ثقافية واجتماعية حقيقية، إذ تسمح تفاصيلها بتتبع تطور اللباس التقليدي المحلي، من خلال نوعية الأقمشة المستعملة، وأسلوب التطريز، والقصات والزخارف التي كانت سائدة في كل مرحلة تاريخية. كما أن وجود قطع عائلية محفوظة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ومنها نماذج من الفرملة العنابية المؤرخة بسنة 1932، يعكس قيمة هذا الموروث داخل المجتمع المحلي، ويؤكد ارتباطه بالذاكرة الجماعية لمدينة بونة.
الفرملة ضمن تراث الشرق الجزائري.. اعتراف بقيمة الموروث النسوي
تندرج الفرملة العنابية ضمن مكونات اللباس النسوي الاحتفالي للشرق الجزائري، ذلك التراث الذي يعكس ثراء الثقافة الجزائرية وتنوع مدارسها الحرفية والجمالية. ويضم هذا الموروث مجموعة من الألبسة التقليدية النسوية المتوارثة، من بينها القندورة، القاط، القفطان، والملحفة، إلى جانب تقنيات التطريز التقليدي مثل الفتلة والمجبود والكنتيل، وهي تقنيات حافظت عليها النساء والحرفيات جيلاً بعد جيل. ويمثل هذا الاعتراف بقيمة اللباس التقليدي فرصة مهمة لإعادة تسليط الضوء على الخصوصيات المحلية التي تميز كل منطقة، بما فيها الخصوصية العنابية التي تحتفظ بمفرداتها التراثية وأسمائها المحلية، وعلى رأسها “الفرملة” التي تعد جزءًا من شخصية اللباس التقليدي بمدينة عنابة.
حماية الموروث.. ضرورة ثقافية في زمن التغيرات
في ظل التحولات الاجتماعية وهيمنة الأزياء الحديثة، يواجه اللباس التقليدي تحديات مرتبطة بالحفاظ على تقنيات صناعته واستمرار حضوره داخل المجتمع. ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن صون الفرملة العنابية لا يكون فقط عبر عرضها في المعارض أو المناسبات التراثية، بل من خلال تشجيع البحث والتوثيق، ودعم الحرفيات، وفتح فضاءات لتعليم تقنيات الخياطة والتطريز التقليدي. كما يدعو مختصون إلى ضرورة إشراك المؤسسات الثقافية والجامعات والجمعيات المهتمة بالتراث في دراسة اللباس العنابي وتوثيق خصوصياته التاريخية والجمالية، بما يضمن نقل هذا الموروث إلى الأجيال الجديدة، ويحفظ تفاصيله الأصلية من الاندثار أو التشويه.
وفي الأخير، تبقى الفرملة العنابية أكثر من مجرد قفطان تقليدي أو لباس خاص بالمناسبات؛ إنها مرآة لذاكرة مدينة كاملة، وسردية ثقافية تروي جانبًا من تاريخ المرأة العنابية ومن الحرفية المحلية التي صنعت ملامح هذا التراث عبر الزمن. وبين القطيفة، والتطريز اليدوي، والتفاصيل الجمالية المتوارثة، تواصل الفرملة العنابية تأكيد مكانتها كواحدة من أبرز رموز الهوية الثقافية المحلية، ودليل حي على غنى التراث الجزائري وتنوعه، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حماية هذا الإرث وصونه للأجيال القادمة.
سلمى حطاب
