الخميس 29 أكتوبر 2026
أخبار الشرق

“ما لم يقله الطين للماء” إصدار جديد للشاعرة الجزائرية وردة أيوب عزيزي

في إصدار أدبي مميز يُثري الساحة الثقافية والمكتبة العربية، صدر حديثًا عن دار فكرة كوم للنشر والتوزيع (بورقلة، الجزائر) الديوان الشعري الخامس للشاعرة الجزائرية وردة أيوب عزيزي، بعنوان: “ما لم يقله الطين للماء”.
يقع الديوان في 60 صفحة، ويضم بين دفتيه 32 قصيدة عمودية، تُحلّق من خلالها الشاعرة في رحلة من دروب الفقد إلى مزامير النوى، وتعويذة من الحب تعرج بالذائقة إلى سدرة النور، ومراثي الحزن في الثلاثين.
خصّ الأستاذ الدكتور يوسف وغليسي هذا الإصدار بتصدير ناهض، سلّط فيه الضوء على الخصوصية الإيقاعية والتجربة العمودية الراسخة لدى الشاعرة، حيث جاء فيه:
“قليلاتٌ هنّ (العموديات) من الشواعر؛ لأنّ جلهنّ (نثريات) متحرّرات، وقد أحصيتُ سابقًا نسبة 80 % من شواعر النثر في الشعر النسوي الجزائري! وهي ظاهرة ساحقة حتّمتْ عليّ معالجتها تحت عنوان طريف (القصيدة النثرية جنسًا شعريًا لطيفًا!).
بيْد أنّ الشاعرة وردة أيوب عزيزي واحدة من أولئك القليلات اللائي يكتبن القصيدة العمودية باقتدار، وقد استمكنت من وسائل تشكيلها، كما أثبتت ذلك في تجاربها السابقة المعروفة (واشتعل القلب عشقًا، صوفية في محراب عشق، كتاب مساكب الضوء،…)، ثم عادت لتؤكّد تلك المقدرة في هذا الديوان الجديد، متشبّثةً بهذا الشكل العصيّ على غيرها!
وهي من الشاعرات المأسوف على غيابهنّ عن (خطاب التأنيث)، وما كان لمثل وردة أن تغيب عن كتابي في طبعتَيْه الاثنتين، إلا لأحد سببين اثنين:
إمّا لأنّها ابتدأت كتابة الشعر بعد صدور الكتاب، وإمّا لأنها كانت تكتب الشعر ولم تجرؤ على نشره في تلك المرحلة المبكرة من حياتها الشعرية؛ وهو السبب الأرجح فيما يبدو.
تبدو وردة أيوب عزيزي في ديوانها الخامس هذا (ما لم يقله الطين للماء) شاعرةً أوراسية الروح، صوفية الملاذ، عمودية النزوع، مزاجية الإيقاع؛ ولا أدلّ على تلك المزاجية من هذه النزوات الوزنية الكثيرة التي تطبع ديوانها الذي أجرته في تسعة بحور كاملة، ومن العجيب أن يكون بحر الطويل هو الأكثر استئثارًا بتجاربها الشعرية، وبرصيد سبع قصائد كاملة (أي خُمس الديوان)!
وقد استبدّ الطويل بإيقاع الشعر العربي وهيمن على تجارب الفحول من شعرائه، منذ الجاهلية الأولى حتى مطلع العصر الحديث، بينما تراجع في الشعر المعاصر تراجعًا مريعًا، لا سيما في شعر النساء؛ فهل معنى ذلك أنّ الشاعرة أرادت أن تنزاح عن إيقاعات بنات جنسها لتصارع لغة الفحول وأوزانهم؟!”
هدية شعرية من الأستاذ الدكتور المصري محمد حسان الشناوي
تقديرًا للقيمة الجمالية والإضافة الأدبية التي يقدمها الديوان، وبصمته الخاصة في تهذيب النصوص ومراجعتها، أهدى الأستاذ الدكتور محمد حسان الشناوي هذه الأبيات احتفاءً بالإصدار:
“ما لم يقله الطينُ للماءِ”
شِعْرٌ تشرّبَ عطرَ أضواءِ
نشوانُ، صدّاحٌ على أفُقٍ
… مترقرقٍ، فينانَ، لألاءِ
نسجته وردَةُ من توهُّجِها
وكسَتْ رباهُ نورَ أفْياءِ
وكأنه ألقُ النجومِ سرى
ليلًا ترقرق فجرُه النائي
والوزن في الوجدانِ بوتَقَهُ
تصويرها بخيالها النائي
لا وعظَ فيه يسوق فلسفةً
فالشعر منها فيضُ أنداءِ
بوركت شاعرةً تُكَوْثِرُ في
ألقٍ حديث الطينِ للماءِ
لم تكن هدية الدكتور محمد حسان الشناوي مجرد أبيات تقديرية عابرة، بل جاءت انعكاسًا حقيقيًا لروح الديوان وعمقها الفني، حيث التقت مع الشاعرة في العنوان والنبض:
العنوان: حملت القصيدة نفس عنوان الديوان (ما لم يقله الطين للماء)، في تناصٍّ بديع يتماهى مع دلالة المنجز الشعري للشاعرة، ويؤكد تلاحم الرؤية النقدية والإبداعية بينهما.
منح النص إيقاعًا خفيفًا وساحرًا، يتردد صداه برفق في وجدان القارئ، ويتناسب تمامًا مع الطبيعة الصوفية والمجازات المائية والترابية في الديوان.
الدلالة: تعكس القصيدة حالة من التوحد بين الطبيعة والروح؛ فالطين والماء، رمزا البداية والنماء، يتحولان في النص إلى طاقة إبداعية تتشرب عطر الضوء، لتغدو القصيدة كأنها ألق النجوم في ليل ترقرق فجره. كما تؤكد الأبيات أن شعر وردة أيوب عزيزي يبتعد عن التكلف والوعظ الفلسفي الجاف، ليكون “فيض أنداء” يلامس الوجدان بعفوية وجمال.
مدح الشاعرة: تجسد في ختام الأبيات مسك الختام والتقدير العالي للشاعرة، في قوله:
“بوركت شاعرةً تُكَوْثِرُ في
ألقٍ حديث الطينِ للماءِ”
حيث ابتكر الشاعر فعلًا بليغًا (تُكوثر، من الكوثر، أي النماء والخير الكثير) ليصف به فيض إبداعها الذي لا ينضب، وتتويجًا لحضورها المتألق في سماء القصيدة العمودية.
وختامًا… في رحاب الروح والشعر
هكذا تطلّ علينا الشاعرة وردة أيوب عزيزي في ديوانها “ما لم يقله الطين للماء” كالسماوية ونبية الشمس، لتقودنا عبر عتبات الإبداع في رحلة فريدة للاشتهاء؛ تسافر بنا من فراقٍ شهيٍّ وموجع، وتعرج من دروب الفقد الموحشة إلى مزامير النوى الساحرة.
إنها تعويذة الحب الصادق التي ترفعنا أجنحتها إلى سدرة النور ورحاب البوح، لنلامس معها صدق مراثي الحزن في الثلاثين.
فألف مبارك للشاعرة المتميزة وردة أيوب عزيزي هذا المنجز الإبداعي الأنيق، ومبارك للمشهد الثقافي والأدبي هذا الألق الجديد الذي يضيء دروب الكلمة.

مواضيع ذات صلة

في محنة المبدع وأسئلة العدالة الثقافية في الجزائر

akhbarachark

افتتاح الدورة الثانية لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة وإطلاق أكاديمية غزة للسينما

akhbarachark

تمديد آجال الترشح لمسابقة “تحدي ثقافة أب” إلى 5 نوفمبر

akhbarachark