أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، التزام الجزائر بمواصلة جهودها الرامية إلى حماية التنوع البيولوجي والحفاظ على الثروات الحيوانية والنباتية مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة التعهدات الدولية إلى التنفيذ الفعلي للالتزامات، بما يضمن استعادة النظم البيئية وحماية الموارد الطبيعية للأجيال الحالية والقادمة.
وجاء ذلك في كلمة ألقاها رئيس الجمهورية، أمس الجمعة، خلال «قمة القادة» للدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (COP17)، المنعقدة بالعاصمة الأرمينية يريفان، حيث شدد على أهمية تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات البيئية المتفاقمة، وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورات المحافظة على التنوع البيولوجي.
وفي مستهل كلمته، أعرب رئيس الجمهورية عن شكره وامتنانه لجمهورية أرمينيا، حكومة وشعباً، نظير حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، كما نوه بجهود الأمانة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في الارتقاء بالعمل متعدد الأطراف، بما يسمح بتعزيز التنسيق الدولي وتكثيف الجهود المشتركة لمواجهة المخاطر البيئية.وأوضح الرئيس تبون أن انعقاد هذا المؤتمر يأتي في سياق دولي يتسم بتفاقم الأزمات البيئية، وتزايد الوعي بضرورة اعتماد مقاربات مستدامة تضمن التوفيق بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الثروات الطبيعية، من خلال إعادة الاعتبار للنظم البيئية وترشيد استغلال الموارد، وفق رؤية تقوم على الاستدامة والمسؤولية المشتركة.
تنفيذ الإطار العالمي للتنوع البيولوجي في صدارة الأولويات
وأشار رئيس الجمهورية إلى الأهمية البالغة التي تكتسيها الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف، باعتبارها أول محطة لاستعراض التقدم المحرز في تنفيذ الإطار العالمي للتنوع البيولوجي «كونمينغ – مونتريال»، لاسيما فيما يتعلق بتحقيق الأهداف المسطرة في أفق سنة 2030، وتصحيح المسار بما يسمح بتحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة على أرض الواقع.وأكد في هذا السياق أن التحدي الأساسي لا يكمن في صياغة التعهدات وإقرار الأهداف فحسب، بل في مدى قدرة الدول على تجسيدها ميدانياً، من خلال سياسات فعالة وبرامج قابلة للتنفيذ، تضمن الحد من تدهور النظم البيئية والمحافظة على التوازن الطبيعي. وتواجه جهود حماية التنوع البيولوجي، وفق المقاربة التي عرضها رئيس الجمهورية، جملة من التحديات المتشابكة، من بينها النشاط البشري غير المستدام، والتصحر، وحرائق الغابات، والتغيرات المناخية، وهي عوامل تفرض تعزيز التدابير الوقائية وتطوير آليات حماية الثروة الطبيعية، إلى جانب تكثيف التعاون بين مختلف الدول والمؤسسات المعنية بالبيئة.
الجزائر تحيّن استراتيجيتها الوطنية للفترة 2025-2030
واستعرض الرئيس تبون الجهود التي تبذلها الجزائر في مجال المحافظة على تنوعها البيولوجي، مؤكداً أن البلاد تعمل على حماية ثرواتها الحيوانية والنباتية ومواجهة مختلف التهديدات التي تطالها، من خلال ترجمة التزاماتها الدولية إلى برامج وطنية وإجراءات تنفيذية.وفي هذا الإطار، قامت الجزائر بتحيين وإيداع الاستراتيجية وخطة العمل الوطنيتين للتنوع البيولوجي للفترة الممتدة بين 2025 و2030، وفق مقاربة تشاركية تتماشى مع الإطار العالمي للتنوع البيولوجي «كونمينغ – مونتريال».وقد سمحت هذه العملية، حسب ما جاء في كلمة رئيس الجمهورية، بتحديد 24 هدفاً وطنياً و93 إجراءً تنفيذياً، في خطوة تستهدف تنظيم الجهود الوطنية وتوجيهها نحو تحقيق نتائج ملموسة في مجال حماية الأنواع الحية والأنظمة البيئية، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والهيئات المعنية.وتعكس هذه الاستراتيجية توجهاً نحو اعتماد تخطيط بيئي أكثر شمولاً، يربط بين حماية الموارد الطبيعية ومتطلبات التنمية المستدامة، ويعزز إدماج البعد البيئي في السياسات العمومية، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه التنوع البيولوجي في الحفاظ على التوازنات الطبيعية ودعم الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد المحلية.
24 منطقة محمية و27 ألف نوع حي.. الجزائر تعزز ترسانتها لحماية الطبيعة
وفي سياق التدابير المتخذة لتعزيز الحماية البيئية، كشف رئيس الجمهورية عن توسيع شبكة المناطق المحمية في الجزائر، التي تضم 24 منطقة مصنفة تشمل أنظمة بيئية متنوعة، من بينها المناطق البحرية والغابية والجبلية والسهبية والصحراوية.ويكتسي هذا التنوع أهمية خاصة بالنظر إلى الإمتداد الجغرافي للجزائر وما تزخر به من ثروات طبيعية وبيئات مختلفة، تستدعي اعتماد آليات حماية تتلاءم مع خصوصية كل منطقة، وتضمن المحافظة على الأنواع النباتية والحيوانية ومواطنها الطبيعية.كما أبرز الرئيس تبون الجهود المبذولة لتعميق المعرفة بالتراث البيولوجي الوطني، من خلال إحصاء أكثر من 27 ألف نوع حي إلى حد الآن، منها نحو 8500 نوع نباتي و18 ألف نوع حيواني.ويمثل جرد الثروات البيولوجية خطوة أساسية نحو تحسين آليات المتابعة والحماية، إذ يتيح توفير قاعدة معرفية تساعد على تحديد الأنواع الأكثر عرضة للتهديد، وتوجيه البرامج الوطنية نحو المحافظة على الموارد الوراثية والتنوع الطبيعي، فضلاً عن دعم البحث العلمي وتطوير المعارف المرتبطة بالبيئة.
الحظائر الثقافية تساهم في توسع نطاق الحفظ الوطني
وتطرق رئيس الجمهورية أيضاً إلى الجهود الرامية إلى الاعتراف بالحظائر الثقافية والمحافظة عليها، بالنظر إلى ما تجمعه من تنوع بيئي فريد وموروث أثري وتاريخي يعكس جوانب مهمة من التراث الطبيعي والحضاري للإنسانية.وأوضح أن هذه الجهود أسهمت في توسيع نطاق الحفظ الوطني بنحو مليون كيلومتر مربع، بما يعزز أهمية المقاربة التي تجمع بين حماية النظم البيئية وصون الموروث التاريخي والثقافي.وتبرز هذه المقاربة الترابط القائم بين المحافظة على الطبيعة وحماية التراث الإنساني، لاسيما في المناطق التي تحتضن أنظمة بيئية متميزة ومواقع ذات قيمة تاريخية وأثرية، الأمر الذي يجعل تثمينها وحمايتها مسؤولية مشتركة تتطلب التخطيط المستدام وتكثيف التدابير الوقائية.
السد الأخضر رهان استراتيجي لمواجهة التصحر
ومن بين المشاريع التي سلطت عليها كلمة رئيس الجمهورية الضوء، مشروع إعادة بعث السد الأخضر على مساحة تقدر بـ4.7 مليون هكتار، باعتباره حاجزاً طبيعياً في مواجهة زحف الرمال، ورافداً أساسياً لتعزيز الغطاء النباتي والغابي واستعادة النظم الإيكولوجية.وأكد الرئيس تبون أن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، من خلال حماية الأراضي ومكافحة التصحر، وتحسين الغطاء النباتي، وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية، مع مراعاة احتياجات السكان المحليين والاستفادة من العوائد الاقتصادية للمشاريع المرتبطة به.ويكتسي السد الأخضر أهمية استراتيجية في ظل التحديات المناخية التي تواجه المناطق الجافة وشبه الجافة، إذ تبرز الحاجة إلى تكثيف عمليات التشجير واستعادة الأراضي المتدهورة، إلى جانب اعتماد حلول مستدامة تحد من آثار التصحر وتدعم قدرة النظم البيئية على التكيف مع التغيرات المناخية.كما أن نجاح هذه المبادرات يرتبط بتكامل التدخلات البيئية مع التنمية المحلية، بما يتيح تعزيز مشاركة السكان في حماية الموارد الطبيعية، وتثمين الإمكانات الاقتصادية للمناطق المعنية، وضمان استمرارية الجهود على المدى الطويل.
البنك الوطني للبذور ومتحف وطني للتنوع البيولوجي
وفي سياق المحافظة على الموارد الوراثية وصون الموروث النباتي، أشار رئيس الجمهورية إلى تفعيل البنك الوطني للبذور، الذي يمثل خطوة إضافية نحو دعم التنمية الزراعية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي.وتكتسي هذه المبادرة أهمية بالنظر إلى الدور الذي تؤديه البذور والموارد الوراثية النباتية في الحفاظ على التنوع الزراعي، وتوفير قاعدة يمكن الاستفادة منها في تطوير الإنتاج الزراعي وحماية الأصناف النباتية، لاسيما في ظل التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والضغوط التي تتعرض لها النظم الزراعية.كما كشف الرئيس تبون عن إطلاق مشروع المتحف الوطني البيئي للتنوع البيولوجي، الذي يهدف إلى إبراز التراث الطبيعي الجزائري وتثمينه، بما يسهم في تعزيز الوعي بقيمة الثروات البيئية الوطنية وأهمية المحافظة عليها.ومن شأن هذه المبادرات، في حال استكمالها وتطوير آليات الاستفادة منها، أن تدعم جهود التوثيق والتعريف بالتراث البيولوجي، وتوفر فضاءات إضافية لنشر الثقافة البيئية وترسيخ أهمية حماية الطبيعة لدى مختلف فئات المجتمع.
تمويل الدول النامية شرط لتحقيق الأهداف العالمية
وعلى الصعيد الدولي، شدد رئيس الجمهورية على أن مصداقية الإطار العالمي للتنوع البيولوجي «كونمينغ – مونتريال» تقاس بما يتم تنفيذه فعلياً على أرض الواقع، وليس بما يعلن من التزامات خلال المؤتمرات والمحافل الدولية.وأكد أن حماية التنوع البيولوجي وضمان استمرارية موارده للأجيال الحالية والقادمة يتطلبان تضامناً دولياً يتناسب مع حجم التحديات البيئية، لاسيما من خلال توفير وسائل التنفيذ الضرورية لفائدة البلدان النامية.وفي هذا الإطار، أبرز الرئيس تبون أهمية ضمان التمويل الكافي وفق الالتزامات المتفق عليها، إلى جانب تعزيز القدرات ونقل التكنولوجيا وتوطيد التعاون الدولي، مع مراعاة الظروف والإمكانات والأولويات الوطنية لكل دولة.ويعكس هذا الموقف أهمية البعد المالي والتقني في تنفيذ البرامج البيئية، بالنظر إلى أن تحقيق الأهداف العالمية يستدعي تعبئة الموارد اللازمة، وتوفير الخبرات والتكنولوجيات الضرورية، وتمكين الدول النامية من تطوير سياساتها وآلياتها الوطنية لحماية التنوع البيولوجي.كما يطرح هذا التوجه ضرورة تعزيز الشراكة الدولية على أساس المسؤولية والتعاون، بما يضمن عدم اقتصار الجهود البيئية على التعهدات السياسية، بل تحويلها إلى برامج عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية للدول والمجتمعات المتضررة من تدهور النظم البيئية.
الجزائر تجدد التزامها بالتنمية المستدامة
وفي ختام كلمته، جدد رئيس الجمهورية تأكيد التزام الجزائر بأهداف اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي وإطارها العالمي، معرباً عن أمله في أن تتوج أشغال الدورة السابعة عشرة بنتائج عملية من شأنها تعزيز التضامن والتعاون الدوليين في مجال حماية التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة للجميع.وتؤكد المشاركة الجزائرية في هذا الموعد الدولي، وفق ما تضمنته كلمة الرئيس تبون، أهمية الجمع بين تنفيذ البرامج الوطنية وتعزيز العمل متعدد الأطراف، في ظل الحاجة المتزايدة إلى حماية الموارد الطبيعية والتصدي للتهديدات البيئية التي تتجاوز آثارها الحدود الوطنية.وبين توسيع المناطق المحمية، وتحيين الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي، وإعادة بعث السد الأخضر، وتفعيل البنك الوطني للبذور، تبرز جملة من المحاور التي تسعى الجزائر من خلالها إلى دعم حماية تراثها الطبيعي وتعزيز استدامة موارده.ويبقى التحدي الأساسي، على المستويين الوطني والدولي، مرتبطاً بمدى القدرة على تحويل الخطط والأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة ومستدامة، بما يحفظ التنوع البيولوجي ويضمن حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وموارد طبيعية قادرة على التجدد والإستمرار.
ر.م
