ليس ثمة ما هو أشد وطأة على نفس الكاتب من أن يقف بملء نبضه وذاكرته أمام مقاعد يلفها الصمت، يخاطب صدى صوته ويواجه قاعة خالية إلا من خيبة الانتظار، يقف حاملاً بين دفتي كتاب سهر الليالي وعصارة الفكر وقلق الأسئلة الوجودية، ليرى منجزه يُلقى على قارعة التجاهل؛ إن هذا المشهد ليس مجرد عثرة تنظيمية في ندوة أدبية، بل هو مرآة صريحة تكشف عمق الشرخ الحاصل بين المجتمع ونخبته الفكرية، وتضع راهن الثقافة ومكانة المثقف أمام مساءلة حقيقية لا تحتمل التأجيل.
إن انكسار المبدع أمام هذا الغياب ليس طلباً لمديح زائف ولا بحثاً عن تصفيق عابر، بل هو لوعة صادقة على انحسار المعنى وصرخة واعية تنبه إلى أن الأمة التي تهجر قاعاتها الأدبية وتستقيل من القراءة تفرّط طواعية في مناعتها الفكرية؛ فحين يحزن الكاتب لعزوف الجمهور، فهو لا يرثي حضوره الشخصي، بل يرثي تغييب الفكرة وتراجع هيبة الكتاب وانزواء الأدب الذي صان دوماً هوية الشعوب وشكّل وجدانها الجمعي.
تتفاقم المفارقة حين نرى كيف تُحشد الطاقات وتُفتح الأبواب لكل ما هو سطحي ومبتذل، وكيف يجد الضجيج الفارغ طريقه بسهولة إلى الواجهات، بينما تُترك المشاريع المعرفية الجادة لتقاتل وحدها في زوايا الإهمال؛ كيف نطالب الأديب بأن ينير دروب الوعي ويوثق آلام الناس وآمالهم، ونحن نحرمه من أبسط مقومات الاحتفاء والإنصاف؟ إن الأزمة تتجاوز تجربة كاتب بعينه لتطال الضمير العام، فالثقافة لم تكن يوماً ترفاً نخبوياً ولا زينة نتحلى بها في المناسبات الرسمية، بل هي الروح الحية التي تصنع تماسك المجتمع وتمنح الأجيال بوصلة الحقيقة.
ولا مناص هنا من الوقوف بجرأة أمام واقع المشهد الثقافي والإعلامي في الجزائر؛ مشهد يرزح في كثير من جوانبه تحت وطأة المركزية وشبكات العلاقات الضيقة؛ فليس من العدل أن يظل الفعل الثقافي حكراً على منصات محددة وأسماء تتكرر في كل محفل، بينما تزخر ربوع الوطن، من أقصى شماله إلى عمق جنوبه، بطاقات إبداعية نادرة وأقلام رصينة في الرواية والشعر والفكر، تبدع في صمت وتكتب بحبر الروح دون أن تجد طريقاً إلى الضوء أو نافذة تصلها بالجمهور؛ إن العدالة الثقافية تقتضي تحطيم دوائر الإقصاء وتوسيع مساحات الاحتفاء، ليصبح المعيار الوحيد هو جودة الأثر وصدق التجربة، لا سطوة الحضور الإعلامي أو شبكة المجاملات.
وعلى وسائل الإعلام والمؤسسات القائمة على الشأن الثقافي أن تستعيد دورها التنويري والتشاركي؛ فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر العاجل، بل هو راعٍ للموهبة وجسر يصل المبدع بقارئه؛ كما أننا بحاجة ماسة إلى تجديد أدوات الترويج الثقافي وابتكار صيغ تفاعلية تخاطب تطلعات الشباب وتنتشل الندوات من رتابة الأشكال التقليدية، لتجعل من الفضاء الثقافي ساحة حية للحوار، وتجعل من الكتاب جزءاً من اليوميات الحية للمواطن في المدرسة والجامعة والبيت.
إن واجبنا اليوم يتطلب تجاوز لغة التحسر إلى مبادرات الفعل المشترك، وأن نملأ القاعات ونقتني الإصدارات ونقرأ بوعي ونناقش بجرأة، ولتكن خيبة المبدع أمام المقاعد الفارغة نقطة تحول تؤسس لصحوة شاملة؛ صحوة تعيد للكلمة جلالها، وللكاتب كرامته، ولمسار الفكر في الجزائر نبضه الحقيقي؛ فالأوطان تبدأ نهضتها الحقيقية حين تصغي لعقولها وتمنح حراس ذاكرتها المكانة التي تليق بهم.
بقلم الكاتب ميسوم صاروطي
