يعود ضريح إيمدغاسن بولاية باتنة إلى واجهة الاهتمام الثقافي والأثري، في ظل المساعي الرامية إلى ضمان حمايته وصون قيمته التاريخية والحضارية، باعتباره أحد أبرز المعالم التي تختزل صفحات مهمة من تاريخ نوميديا، وتجسد جانبا من عبقرية العمارة الجنائزية في شمال إفريقيا القديمة.
وفي هذا السياق، ترأس والي ولاية باتنة، بن أحمد رياض، اجتماع عمل خصص لمتابعة مدى تقدم الدراسة المتعلقة بالأشغال الاستعجالية لحماية الضريح، بحضور الأمين العام للولاية ومديري الهيئة التنفيذية والقطاعات المعنية، حيث شدد على ضرورة الإسراع في استكمال الدراسة وفق المعايير التقنية والعلمية المعتمدة، بما يضمن حماية هذا المعلم الأثري والمحافظة على أصالته المعمارية وقيمته الحضارية. ويكتسي هذا المسعى أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها إيمدغاسن ضمن الذاكرة التاريخية الجزائرية، إذ لا يمثل مجرد بناء جنائزي قديم، بل يعد شاهدا ماديا على حضارة نوميدية تركت بصمتها في تاريخ المنطقة، من خلال مظاهر التنظيم الاجتماعي والسلطة السياسية والفنون المعمارية التي عرفتها تلك المرحلة.
ويقع الضريح ببلدية بومية، شمال شرقي مدينة باتنة، ويتميز بهندسته الدائرية وشكله المخروطي المتدرج، فضلا عن تكوينه المعماري الذي يجمع بين تقاليد محلية وتأثيرات متوسطية قديمة. ويعود بناؤه إلى الفترة النوميدية، ويرتبط بالتراث الجنائزي لملوك نوميديا، ما يجعله من المعالم ذات القيمة الاستثنائية في دراسة تاريخ الجزائر القديم. وتبرز أهمية إيمدغاسن أيضا في كونه مصدرا أثريا لفهم تطور العمارة الجنائزية وأساليب البناء لدى المجتمعات القديمة في شمال إفريقيا، حيث تمنح تفاصيله المعمارية الباحثين فرصة لاستكشاف التقنيات والرموز التي ارتبطت بممارسات الدفن ومكانة الحكام في تلك الحقبة. كما يشكل جزءا من الرصيد الثقافي الذي يعزز حضور الجزائر في خريطة التراث الأثري المتوسطي والإفريقي.
غير أن المحافظة على مثل هذه المعالم تفرض تدخلا علميا دقيقا، يستند إلى دراسات متخصصة لتقييم وضعيتها وتحديد عوامل التدهور، قبل الشروع في أي أشغال للحماية أو الترميم، بما يضمن عدم المساس بموادها الأصلية وخصائصها المعمارية. ومن هنا تبرز أهمية استكمال الدراسة التقنية التي يجري العمل عليها، باعتبارها خطوة أساسية نحو تحديد التدابير المناسبة لصون الضريح وضمان استدامته. ولا تقتصر حماية إيمدغاسن على الحفاظ على أحجاره وبنيته المعمارية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى صيانة الذاكرة التاريخية التي يحملها، ونقل قيمته الثقافية إلى الأجيال الجديدة، من خلال البحث الأثري والتعريف العلمي بالمعلم وتعزيز حضوره في البرامج الثقافية والسياحية.
وبين ضرورة التدخل الاستعجالي ومتطلبات المحافظة العلمية على الآثار، يظل ضريح إيمدغاسن أمانة تاريخية تستدعي تضافر جهود المختصين والسلطات المعنية، حتى يبقى شاهدا على عراقة الحضارة النوميدية، وجزءا أصيلا من الهوية الثقافية الجزائرية.
سلمى حطاب
