تعتبر الرواية الجزائرية المعاصرة فضاءً رحباً للتجريب والبحث في أعماق النفس البشرية وتناقضات الواقع الاجتماعي والسياسي.
ومن بين الأعمال التي توقفت طويلاً عند هذه الثنائيات، تبرز رواية “الرجل الذي اختفى ظله” للأستاذ الباحث والروائي بوعلام بطاطاش، والتي صدرت عن دار تينهينان. هذه الرواية ليست مجرد حكاية عابرة، بل هي رحلة سبر أغوار تتداخل فيها الفلسفة بالخيال العلمي، والمأساة بالسخرية المرة، لتطرح على القارئ أسئلة كبرى حول الهوية والوجود.
من بشاشة “بجاية” إلى لغز الاختفاء
تنطلق حبكة الرواية من مدينة “بجاية” الساحرة، إحدى أجمل المدن الجزائرية المتوسطية. في هذا الحيز المكاني المفعم بالحياة، نتعرف على بطل متفانٍ في عمله التطوعي، إنسان يعشق مدينته حتى النخاع، ويسعى جاهداً لرؤيتها دائماً في أحلى حلة وأبهى زينة. لكن، وبين عشية وضحاها، ينقلب المألوف رأساً على عقب؛ إذ يكتشف البطل فجأة أنه أصبح من دون ظل!. هذا الحدث الفنتازوي يضع القارئ أمام مفارقة عجيبة، فمهندس الحبكة يوظف “الظل” هنا برمزية عميقة ذات أبعاد نفسية وفلسفية متشعبة. فالإنسان بيولوجياً يستطيع الاستمرار في العيش بلا ظل، غير أن المجتمع لا يرحم؛ فالظل هو رمز المطابقة والاندماج، و”أن تكون مثل الآخرين حتى تسلم من ألسنتهم وتعليقاتهم”. هنا تبدأ المأساة الساخرة للبحث عن الذات المفقودة في مرآة الآخرين.
الرحلة الكبرى نحو عمق الصحراء: الأهقار وطاسيلي ناجر
لا تظل الأحداث حبيسة الفضاء الساحلي الشمالي، بل تتخذ الرواية أبعاداً ملحمية ومغامرة شيقة عندما تقود أبحاث البطل الساعي خلف ظله المفقود إلى أعماق الصحراء الجزائرية الساحرة. يأخذنا المؤلف بوعلام بطاطاش في جولة سياحية وأدبية مذهلة عبر معالم “الأهقار” و”طاسيلي ناجر”، مروراً بتمنراست وصولاً إلى جانت. يتحول السرد هنا إلى لوحة فنية تشكيلية يصف فيها الكاتب جمال الطبيعة الصحراوية العذراء، وشموخ جبالها، وسحر رمالها، فضلاً عن الاحتفاء بأصالة سكانها وعاداتهم العريقة. إنها رحلة تطهير داخلي؛ فبقدر ما يبحث البطل عن ظله المادي المفقود في الصحراء، بقدر ما يجد ذاته الحقيقية وسط صفاء الصحراء وقسوة هوائها في آن واحد.
تداخل الفنون والسرد: خيال علمي وسياسة ومأساة
تتميز رواية “الرجل الذي اختفى ظله” بثرائها الأسلوبي وتنوع أجناسها؛ فهي تجمع بين:
– الخيال العلمي: في طرح فكرة اختفاء الظل خارج القوانين الفيزيائية المألوفة.
– المأساة الساخرة (الكوميديا السوداء): في تصوير ردود فعل المجتمع ونظرة الناس إلى البطل الأعزل من ظله، والمآسي التي عانى منها في حياته.
– البعد السياسي والاجتماعي: إسقاطات ذكية لقضايا تاريخية انعكست سلباً على واقع الفرد الجزائري المعاصر، إلى جانب فضح ممارسات وضغوط المجتمع والسياسة على الأفراد قصد إرضاء القوالب الجاهزة التي ينتجونها.
خاتمة
بخطاب روائي محكم، ولغة أدبية متدفقة، نجح الأستاذ بوعلام بطاطاش في روايته “الرجل الذي اختفى ظله” في أن يقدم للثقافة الجزائرية عملاً يستحق الوقوف عنده طويلاً. إنها دعوة غير مباشرة لكل قارئ لكي يبحث عن “ظله الحقيقي” في زحام الحياة، وتذكرة بأن الجمال الحقيقي قد يختبئ أحياناً خلف أبواب الغموض والمغامرة.
بقلم: نادر وحيد، ناقد
