أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، التزام الجزائر بمواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع روسيا الاتحادية ودول القارة الإفريقية، على أساس الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشددا على ضرورة بناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافا، وإصلاح منظومة الأمم المتحدة بما يضمن تصحيح التمثيل الإفريقي داخل مجلس الأمن الدولي.
وفي كلمة وجهها إلى المشاركين في قمة روسيا وإفريقيا الثالثة المنعقدة بالعاصمة الروسية موسكو، تلاها الوزير الأول، سيفي غريب، جدد رئيس الجمهورية تأكيد موقف الجزائر الداعي إلى إقامة علاقات دولية بعيدا عن منطق الأحادية والوصاية، معتبرا أن التحولات الدولية الراهنة وما يصاحبها من توترات وتحديات أمنية واقتصادية وبيئية، تفرض تكثيف التنسيق والعمل المشترك من أجل إرساء نظام دولي أكثر توازنا. وفي هذا السياق، أبرز الرئيس تبون أن تجربة الجزائر خلال عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي، خلال العامين الماضيين، عززت قناعتها بضرورة إصلاح هذه الهيئة الأممية، وفقا للمواقف المشتركة للاتحاد الإفريقي، لاسيما توافق إزولويني وإعلان سرت، مؤكدا أن إصلاح مجلس الأمن لم يعد مجرد مسألة تفاوضية، بل أصبح قضية عدالة وامتحانا حقيقيا لمدى احترام الشرعية الدولية.
وعلى صعيد القضايا الإفريقية، شدد رئيس الجمهورية على أن تحقيق الأمن والاستقرار بالقارة يمر عبر تصفية آخر بقايا الاستعمار، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، مشيدا بالجهود التي يبذلها مجلس الأمن الدولي والتي أثمرت، حسب ما ورد في الكلمة، عن استئناف المفاوضات بين طرفي النزاع برعاية الأمم المتحدة.كما أعرب عن تقدير الجزائر للموقف الروسي الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ولجهود المسار الأممي والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدا أن الحل العادل والدائم ينبغي أن يكون سياسيا وتوافقيا، ويضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه الأصيل في تقرير المصير وفقا للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.وفي السياق ذاته، جدد الرئيس تبون الدعوة إلى مواصلة التنسيق مع روسيا في المحافل الدولية بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مشيرا إلى استمرار الخروقات في قطاع غزة وخطورة الوضع الإنساني، فضلا عن تعثر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ومؤكدا أن تحقيق السلام في المنطقة يظل مرتبطا بتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وفي حديثه عن التحديات التي تواجه القارة الإفريقية، أكد رئيس الجمهورية أن التدخلات الأجنبية غير المشروعة في الشؤون الداخلية للدول لا تؤدي إلا إلى تأجيج التوترات وتعميق الانقسامات وإطالة أمد الأزمات، مشددا على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن فرضه بالقوة أو استيراده، وإنما يتحقق باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، واعتماد الحوار السياسي الشامل الذي يقوده أبناء البلد أنفسهم.كما دعا إلى اعتماد مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة العابرة للحدود، لا تقتصر على الحلول الأمنية، بل تشمل معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، من خلال توفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية، وتمكين الشباب الإفريقي من المساهمة في مسارات البناء والتنمية، بعيدا عن مخاطر الهجرة غير الشرعية والتجنيد في الجماعات الإرهابية.
“مشاريع استراتيجية لتعزيز الاندماج الإفريقي”
وفي استعراضه لمساهمة الجزائر في دعم التنمية والاندماج القاري، أشار رئيس الجمهورية إلى الدور الذي تضطلع به الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، من خلال تمويل وإنجاز مشاريع في عدد من الدول الإفريقية، لاسيما في مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة.كما توقف عند احتضان الجزائر للمعرض الإفريقي للتبادل التجاري في سبتمبر 2025، باعتباره محطة لدعم المبادلات الاقتصادية وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، إلى جانب مواصلة الجهود الرامية إلى تسهيل حركة الأشخاص والسلع والخدمات وتعزيز التعاون مع دول الجوار.وفيما يتعلق بالمشاريع الهيكلية، أبرز الرئيس تبون أهمية أنبوب الغاز العابر للصحراء الرابط بين الجزائر والنيجر ونيجيريا، مشيرا إلى الإعلان عن انطلاق أشغال المقطع الجزائري منذ جوان 2026، لما يمثله المشروع من أهمية في تعزيز الأمن الطاقوي وفتح آفاق تنموية أمام دول العبور.كما أكد أهمية الطريق العابر للصحراء ومشروع الألياف البصرية العابر للصحراء، لما لهما من دور في تنشيط المبادلات التجارية وربط دول القارة بشبكات الاتصال الحديثة وتقليص الفجوة الرقمية، معتبرا أن هذه المشاريع تشكل دعامة أساسية لبناء إفريقيا أكثر اندماجا وقدرة على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد العالمي.وفي هذا الإطار، وجه رئيس الجمهورية دعوة إلى الشركاء الروس، من حكومة ومتعاملين اقتصاديين، للاستفادة من الديناميكية التنموية التي تشهدها القارة، من خلال الاستثمار في قطاعات الطاقة والمناجم والزراعة والتحول الرقمي والبنية التحتية، مع التركيز على تطوير سلاسل القيمة المضافة داخل إفريقيا بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
“شراكة روسية جزائرية قائمة على التكامل والمصالح المشتركة”
وبخصوص العلاقات الثنائية، أكد الرئيس تبون متانة الروابط التاريخية التي تجمع الجزائر بروسيا، والتي تعززت من خلال إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة الموقع سنة 2023، فضلا عن التعاون في إطار منظمة أوبك+ ومنتدى الدول المصدرة للغاز.وشدد على أن الشراكة الحقيقية مع الشركاء الدوليين ينبغي أن تقوم على التكامل وتعزيز القدرات الذاتية وإنتاج الثروة وخلق فرص العمل محليا، بما يضمن استفادة متوازنة للطرفين ويحترم الخيارات الوطنية لكل دولة.ومن جهة أخرى، نبه رئيس الجمهورية إلى خطورة التغيرات المناخية وانعكاساتها على القارة الإفريقية، التي تواجه موجات الجفاف والفيضانات والحرائق والتصحر، رغم محدودية مساهمتها في الانبعاثات العالمية، داعيا إلى التزام دولي بتوفير الدعم المالي والتقني للدول الإفريقية، وترجمة التعهدات المناخية إلى إجراءات ملموسة، وفقا لمبدأ المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة.واختتم الرئيس تبون كلمته بالتأكيد على أن الجزائر ستظل شريكا موثوقا لكل الجهود الرامية إلى بناء مستقبل أفضل للقارة الإفريقية، معربا عن تطلعها إلى أن تفضي أشغال القمة إلى نتائج عملية تعزز الشراكة الروسية الإفريقية وتؤسس لتعاون مستدام يخدم الأمن والتنمية والازدهار لشعوب القارة.
ر.م
