في إطار البرنامج الثقافي والفني لسهرات شهر رمضان الفضيل لسنة 2026 ، كان الجمهور العنابي من عشاق الفن الرابع، مساء أول أمس، على موعد مع عرض مسرحي مميز احتضنه المسرح الجهوي عز الدين مجوبي، حيث قُدمت مسرحية “الفاس فالراس” في أجواء رمضانية امتزجت فيها المتعة الفنية بالتأمل في قضايا الواقع الثقافي والاجتماعي.
العمل المسرحي من تأليف وإخراج فؤاد بن أحمد، سينوغرافيا جليل بولوداني، وهو من إنتاج المسرح الجهوي سكينة مكيو بسكيكدة بالتعاون مع جمعية البسمة الثقافية لولاية سكيكدة ، في تجربة مسرحية سعت إلى طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التسيير داخل المؤسسات، وانعكاساته على الإبداع الفني ومكانة الفنان في المجتمع.
وتعالج المسرحية، في قالب درامي يمزج بين السخرية والكوميديا السوداء، فكرة أساسية طالما ارتبطت بنجاح أي منظومة عمل، وهي مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فمن خلال سلسلة من المواقف المسرحية المتشابكة، يكشف العمل كيف يؤدي الإخلال بهذه القاعدة إلى بروز مظاهر البيروقراطية، وتنامي المصالح الضيقة، وانتشار العراقيل التي تعرقل سير العمل وتفرغ المؤسسات من روح المبادرة والإبداع.
غير أن المسرحية لا تكتفي بطرح هذا الجانب الإداري والتنظيمي، بل تتوغل أكثر في واقع الفنان، لتسلط الضوء على معاناته في ظل ظروف قد تدفعه إلى الشعور بالعزلة والتهميش. فالفنان، كما تصوره أحداث العرض، يجد نفسه أحيانًا خارج دائرة القرار، عاجزًا عن التأثير في مساره أو الدفاع عن مشروعه الإبداعي، وهو ما يفتح باب التساؤل حول مصير الفنانين في بيئة قد لا توفر لهم دائمًا المناخ الملائم للعطاء.
ومن خلال هذا الطرح، تسعى المسرحية إلى ملامسة هواجس شريحة واسعة من المبدعين الذين يواجهون تحديات متعددة، بين طموحهم في تقديم أعمال فنية ذات قيمة، وبين واقع إداري وتنظيمي قد لا يكون دائمًا منسجمًا مع طبيعة العمل الثقافي ومتطلباته.
وقد اعتمد العرض على لغة مسرحية تجمع بين الطرافة والرمزية، حيث جاءت المشاهد الكوميدية لتخفف من حدة الطرح وتمنح الجمهور لحظات من الضحك، قبل أن تتكشف تدريجيًا الأبعاد التراجيدية للقصة. فخلف المواقف الساخرة تختبئ رسالة عميقة حول هشاشة التوازن بين الإبداع والواقع، وحول مصير الفنان حين يجد نفسه في مواجهة منظومة لا تمنحه المكانة التي يستحقها.
كما ساهمت السينوغرافيا في دعم البعد الدرامي للعمل، من خلال توظيف الفضاء المسرحي بطريقة تعكس التحولات النفسية للشخصيات، وتبرز حالة الارتباك والصراع التي تعيشها في خضم الأحداث، وهو ما منح العرض بعدًا بصريًا مكمّلًا للطرح الفكري الذي يتبناه النص.
وقد شهد العرض حضورًا مقبولًا من جمهور عنابة، من محبي المسرح ورواده، الذين تفاعلوا مع مجريات العمل، في أمسية رمضانية أعادت التأكيد على مكانة المسرح كفضاء للتعبير والنقاش وطرح الأسئلة التي تلامس واقع المجتمع والوسط الثقافي على حد سواء.
وبهذا العرض، يواصل المسرح الجزائري أداء دوره في مرافقة قضايا المجتمع، من خلال أعمال فنية تحاول الجمع بين المتعة الجمالية والرسالة الفكرية، في مسعى لإبقاء خشبة المسرح فضاءً حيًا للنقاش والإبداع والتفاعل مع قضايا الإنسان المعاصر.
بقلم الأستاذ رشيد سعيدي
