الأحد 30 نوفمبر 2025
أخبار الشرق

الرواية الجزائرية.. من صوت المقاومة إلى نبض العصر

تُعد الرواية الجزائرية من أبرز ألوان الأدب العربي التي استطاعت أن تُعبّر بصدق عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفتها الجزائر عبر العصور. فمن مقاومة الاستعمار إلى صدمة الاستقلال، ومن زمن الإرهاب إلى تحديات الحداثة، كانت الرواية ولا تزال أداة لفهم الذات الجماعية، ومرآة تعكس معاناة الإنسان الجزائري وأحلامه المتجددة. وبين الماضي والحاضر، ظلت الرواية الجزائرية تتطور، محافظة على جذورها التاريخية، ومنفتحة في الوقت نفسه على أساليب سردية جديدة وهوية أدبية متعددة.

• الرواية الجزائرية بين الماضي والحاضر:

تمثل الرواية الجزائرية مرآة حقيقية تعكس تحولات المجتمع الجزائري وتاريخه المليء بالصراعات، الآمال، والإنكسارات. فمنذ نشأتها، لم تكن الرواية في الجزائر مجرد جنس أدبي يسعى إلى المتعة الجمالية أو السرد الخيالي، بل تحوَّلت إلى وثيقة حية تنبض بهموم الإنسان الجزائري وتطلعاته، وتنقل صوته في خضم التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد.

ارتبطت الرواية الجزائرية في بداياتها ارتباطًا وثيقًا بالقضية الوطنية ومقاومة الإستعمار الفرنسي، فكانت سلاحًا ثقافيًا يقاوم إلى جانب البندقية، وينقل معاناة الشعب تحت وطأة الإحتلال، ويؤرخ لحياة المهمشين والمنسيين. وقد لعبت هذه الروايات دورًا كبيرًا في شحذ الوعي الوطني وترسيخ الهوية.

وبعد الإستقلال عام 1962، لم تهدأ الرواية الجزائرية، بل انتقلت إلى طور جديد من مساءلة الذات الجماعية، فتناولت إشكاليات الهوية الوطنية، والصراع بين التراث والحداثة، والتمزق اللغوي والثقافي، بالإضافة إلى قضايا التفاوت الطبقي، والفساد، وبناء الدولة الحديثة. لم تكن هذه المرحلة أقل التهاجس والقلق من سابقتها، بل شكّلت صدمة ما بعد التحرير، حيث تحول الحلم الثوري إلى واقع معقد، فتنوعت الأصوات الروائية وتعددت الأساليب والمدارس الأدبية.

وفي الوقت الراهن، بلغت الرواية الجزائرية أفقًا جديدًا، حيث باتت أكثر انفتاحًا على التجريب، وأكثر جرأة في الطرح، وأوسع حضورًا في الفضاء الأدبي العربي والعالمي. لم تعد الرواية صوتًا واحدًا، بل فسيفساء متعددة اللغات والرؤى، تضم الكُتّاب باللغة العربية، والأمازيغية، والفرنسية، وحتى الإنجليزية، في مشهد يعكس ثراء الثقافة الجزائرية وتعقيد هويتها.

• الرواية في زمن الاستعمار: صوت المقاومة

في مرحلة الإستعمار الفرنسي التي امتدت من عام 1830 إلى 1962، لم تكن الرواية الجزائرية مجرّد فن سردي يسعى إلى الترفيه أو المحاكاة الجمالية، بل تحولت إلى وسيلة من وسائل المقاومة، وأداة لتوثيق المعاناة اليومية، وإعادة الإعتبار للهوية الثقافية والروحية للشعب الجزائري الذي تعرض لمحاولات طمس وإلغاء ممنهجة.

في ظل الرقابة الإستعمارية والخنق الثقافي، لجأ العديد من الكتّاب إلى اللغة الفرنسية، لغة المستعمر، لا للتطبيع معها، بل لاختراق جدار الصمت المفروض وإيصال صوتهم إلى العالم. لقد تحولت اللغة الفرنسية من أداة استعمارية إلى وسيلة للتعبير عن الرفض، والتشبث بالجذور، والدفاع عن الحق في الوجود.

برز في هذه المرحلة مولود فرعون، الذي يُعدّ من رواد الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية، وجاءت روايته ابن الفقير كمرآة حية لطفولة بائسة في جبال القبائل، حيث عرّى من خلالها الواقع الطبقي القاسي، وكشف عن التفاوتات الإجتماعية، دون أن يغفل عن نبرة الأمل والإصرار على مواصلة الكفاح. أما محمد ديب، فقد قدّم ثلاثيته الشهيرة (الدار الكبيرة، الحريق، النول) التي تُعد من أبرز ما كُتِب عن الحياة في الجزائر قبيل الإستقلال، بأسلوب واقعي كثيف يرصد تفاصيل المعاناة اليومية، والتحولات الإجتماعية في مواجهة الظلم.

ولم يقتصر حضور الرواية على تصوير الواقع فقط، بل كانت محاولة ذكية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي الجزائري، والحفاظ على الذاكرة الجمعية من التآكل، خاصة مع محاولات الإستعمار طمس الثقافة المحلية، وإحلال الثقافة الفرنسية مكانها. لذا جاءت الرواية في هذه الفترة مشحونة بالشعور بالواجب الوطني، تعيد بناء الإنسان الجزائري سرديًا، وتؤكد على هويته ولغته وانتمائه إلى أرضه.

• ما بعد الإستقلال: من الثورة إلى الهوية

مع فجر الإستقلال عام 1962، دخلت الرواية الجزائرية مرحلة جديدة من التحول؛ إذ انتقل الكتّاب من خطاب المقاومة إلى خطاب المحاسبة، ومن تمجيد الثورة إلى مساءلة ما تحقق على أرض الواقع. لم يدم الإحتفاء بالنصر طويلًا، فسرعان ما ظهرت بوادر خيبة الأمل، حين اصطدمت الأحلام الكبرى بمشاكل الواقع السياسي والاجتماعي، من فساد، وتهميش، وانقسامات أيديولوجية ولغوية. وهكذا بدأت الرواية تلعب دور الضمير النقدي، متجاوزة الحماسة الثورية إلى فضاء التحليل والتشريح.

في هذا السياق، برزت أسماء مثل الطاهر وطار، الذي وظف اللغة العربية وأدوات التراث في أعماله، متناولًا قضايا السلطة، والدين، والإنتماء الطبقي، في نصوص حملت في طياتها وعيًا سياسيًا حادًا وهمًا اجتماعيًا عميقًا. أما رشيد بوجدرة، فاختار طريقًا مختلفًا في الشكل والمضمون، إذ كتب بلغة فرنسية تجريبية، مثقلة بالرمز والفكر الفلسفي، وطرح من خلالها قضايا الذات، والهوية الممزقة، والتناقضات البنيوية في المجتمع الجزائري.

أخذت الرواية في هذه الفترة على عاتقها معالجة سؤال الهوية المعقد في بلد متعدّد الأبعاد، حيث يتقاطع العربي مع الأمازيغي، ويتداخل الموروث الإسلامي مع الحداثة، وتنقسم اللغة بين العربية، والأمازيغية، والفرنسية. هذا التنوع اللغوي والثقافي لم يكن مصدر غنى فقط، بل شكّل أيضًا مجالًا للتوتر والسؤال المستمر عن الانتماء: من نحن؟ وإلى أي خطاب ننتمي؟

كما أن بعض الروايات راحت توثّق التحولات الإجتماعية العميقة، مثل صعود المدن، تغيُر دور المرأة، وتراجع القيم الجماعية أمام الفردانية، مما أعطى الرواية الجزائرية بعدًا إنسانيًا يتجاوز المحلي، ويجعلها قادرة على ملامسة القارئ العربي والعالمي على حد سواء.

• سنوات الجمر: الرواية في ظل العشرية السوداء

في تسعينيات القرن العشرين، دخلت الجزائر واحدة من أحلك فصول تاريخها المعاصر، فيما عُرف بـ”العشرية السوداء”؛ عقدٌ من العنف المسلح، والقتل على الهوية، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الإجتماعي، بعد صراع دموي بين السلطة والجماعات الإسلامية المسلحة. وقد كان لهذا الواقع الكابوسي أثر بالغ في الرواية الجزائرية، التي تحولت إلى صرخة وجود، وشهادة حية على الألم الجماعي، ومجالًا حيويًا لاستعادة إنسانية الإنسان في زمن العبث.

لم تعد الرواية آنذاك ترفًا فكريًا، بل أصبحت ملجأ للبوح، ومنبرًا لرفض الصمت، ومحاولة لفهم ما لا يُفهم. كتب الروائيون عن القتل المجاني، والخوف الذي يطارد المواطن حتى في تفاصيله اليومية، عن المدارس التي تحولت إلى ساحات رعب، والمستشفيات التي امتلأت بالجثث، والقرى التي أُبيدت عن بكرة أبيها.

في هذا السياق المرير، برزت أسماء استطاعت أن تُحوّل هذا العنف إلى مادة أدبية إنسانية عميقة. من بينهم ياسمينة خضرا (الإسم المستعار للكاتب محمد مولسهول)، الذي تناول في رواياته مثل الصفاء الأبدي وسنونوات كابول صورًا مروعة من الإرهاب، بأسلوب سردي شفاف، يدمج بين القسوة والشاعرية، ويطرح أسئلة حول معنى الإنسان في مواجهة التوحش، دون الوقوع في فخ الخطاب الإيديولوجي المباشر.

كما ظهر في هذه الفترة سمير قسيمي، الذي تمكن من تقديم رؤية سردية مختلفة، حيث ركز على أثر الأزمة في الذات الفردية، وعلى الغربة الداخلية التي يعيشها الجزائري في بلاده، متناولًا مواضيع الإغتراب، واليأس، وتفكك العلاقة بين المواطن ووطنه.

امتازت الرواية في هذه المرحلة بالكتابة الجريئة، والتجريب الفني، والإنفتاح على أساليب وتقنيات جديدة، مثل التقطيع الزمني، وتعدد الأصوات، والكتابة من داخل الكابوس، لا من موقع المتفرج. وقد تمكنت هذه النصوص من تدوين ما لم تستطع الصحافة أو المؤرخون تسجيله، فجاءت الرواية الجزائرية بمثابة الذاكرة المضادة، والوثيقة الأدبية التي تحفظ الروح، في زمن خسر فيه الجميع.

• الرواية المعاصرة: آفاق جديدة وهوية متعددة

في العقود الأخيرة، وخصوصًا بعد الألفية الجديدة، دخلت الرواية الجزائرية مرحلة غنية بالتجديد والإنفتاح، حيث خرجت من قوقعة الصراع السياسي المباشر إلى فضاءات أوسع من التجريب الجمالي والإنشغال بالذات. لم تعد الرواية صوتًا لجماعة أو أيديولوجيا، بل أصبحت مرآة متعددة الأوجه تعكس هموم الفرد، وهواجس الجيل الجديد، وتحديات الهوية في زمن العولمة.

تميّز هذا العصر بانفتاح الرواية على موضوعات لم تكن حاضرة بقوة في السابق، مثل الهجرة غير الشرعية، اغتراب الشباب، الثورة الرقمية، الأجساد المهمشة، العلاقة المعقدة مع الذاكرة الجماعية، بالإضافة إلى التوغل في النفس البشرية وتحليلها بلغة شعرية وسرد سيكولوجي. لم يعد السؤال محصورًا في من نحن؟ بل أصبح كيف نعيش هذا التعدد؟ وكيف نتأقلم مع واقع سريع التحول؟

تقنيًا، ظهرت محاولات جريئة في كسر الشكل التقليدي للرواية، بالإنتقال من البناء الخطي إلى تعدد الأزمنة والأصوات، وبالاستفادة من تقنيات السينما، والرسائل، والمونولوجات الداخلية. كما استفاد بعض الكتّاب من وسائل التواصل الاجتماعي لإعادة تشكيل العلاقة بين النص والقارئ، مما فتح أفقًا جديدًا للمشهد الأدبي.

في هذا الإطار، لمع نجم أحلام مستغانمي، الكاتبة التي مزجت الشعر بالسرد، وكتبت عن الحب والأنوثة والخذلان بلغة وجدانية آسرة، ساهمت في ربط القارئ العربي بالرواية الجزائرية. أما كوثر عظيمي، فقد برزت بأسلوب سردي قوي ومعاصر، تناولت فيه قضايا المرأة والذاكرة السياسية والتاريخ المسكوت عنه من وجهة نظر نقدية حادة وواعية.

ولا يمكن إغفال الحضور القوي لكتّاب شابّين كتبوا بلغات مختلفة، منهم من فضّل العربية، وآخرون كتبوا بالفرنسية أو الأمازيغية أو حتى بالعامية، مما يعكس هوية سردية هجينة ومتعددة، هي في الحقيقة صورة مصغّرة للجزائر اليوم، بتنوعها وتناقضاتها، وتوقها الدائم نحو التجدّد.

وهكذا، فإن الرواية الجزائرية المعاصرة لم تعد مجرّد جنس أدبي، بل أصبحت حقلًا ديناميكيًا يعكس تحولات المجتمع، وهواجس الأجيال الجديدة، وساحة لتجريب الأدب بوصفه أداة للفهم والمقاومة، لا للحكم والمصادرة.

Books are exposed on shelves at the Ijtihed bookshop in the Algerian capital Algiers on February 16, 2015. AFP PHOTO / FAROUK BATICHE (Photo by FAROUK BATICHE / AFP)

• رواية تتحرك مع نبض الشعب:

الرواية الجزائرية ليست مجرد بناء لغوي أو سردي، بل هي كيان حيّ ينمو ويتحول كما يتحوّل الشعب نفسه. إنها ليست فقط انعكاسًا للواقع، بل مُشارِكة في تشكيله، تواكب التحولات الإجتماعية والسياسية والثقافية، وتنبض مع آلام الناس وأحلامهم. لقد كانت الرواية، منذ ولادتها، بمثابة شاهد على العصر، ومنبرًا لمن لا صوت لهم، ومجالًا لفهم الذات الجماعية في لحظات الإنكسار والإنبعاث.

وإذا كان الماضي الروائي للجزائر قد رسّخ هوية وطنية قوية، من خلال سرديات المقاومة والإستقلال، فإن الحاضر يعلن عن ولادة أدب يتجاوز الحدود، ويتنفس بلغة إنسانية شاملة. ترجمت أعمال روائيين جزائريين إلى لغات عالمية، وفاز العديد منهم بجوائز مرموقة مثل جائزة البوكر الدولية، وجائزة كتارا، وجائزة الشيخ زايد، مما يدل على اعتراف عالمي بقيمة هذا الأدب وفرادته.

اليوم، لم تعد الرواية الجزائرية حبيسة النخبة أو محصورة داخل جدران الوطن، بل أصبحت تحاور العالم من موقعها الخاص، محمّلة بأسئلتها الكبرى: عن الوطن، عن الهوية، عن الإنسان في مواجهة القسوة، والحب، والفقد، والاغتراب. إنها أدب يُكتب من قلب الأرض، لكنه يطلّ على الأفق الإنساني الواسع.

ومع ظهور أجيال جديدة من الكتّاب والكاتبات، الذين يكتبون من الجزائر أو من الشتات، تواصل الرواية الجزائرية السير في درب الإبداع، وهي أكثر وعيًا بذاتها، وبتاريخها، وبالعالم الذي تتحرك فيه. إنها رواية لا تزال تنتمي إلى الشعب، تعبّر عنه، وتحلم معه، وتصرّ على أن تكتب بالدم والذاكرة، لا بالحبر فقط.

هكذا، تظل الرواية الجزائرية مرآة نابضة لهوية تتشكل باستمرار، وجسرًا بين الذاكرة والواقع، وبين المحلي والعالمي. وبين سطورها، نقرأ تاريخ شعب، ونستشف ملامح مستقبل أدبي واعد يُراهن على الكلمة كأداة للفهم والتغيير.

بقلم هديل كشرود

مواضيع ذات صلة

انطلاق تكوين الذكاء الاصطناعي ضمن أيام الفيلم القصير الرقمي والذكاء الاصطناعي

akhbarachark

مكتبة ملايكية محمد لبلدية الشط تنظم حملة تحسيسية توعوية حول داء السكري

akhbarachark

أكاديميون ومثقفون يؤكدون على أهمية الرقمنة والتشبيك في مكتبات المطالعة العمومية

akhbarachark