شيّعت أمس بولاية باتنة جنازة رئيس الجمهورية الأسبق المجاهد اليامين زروال في أجواء شعبية مهيبة، حيث ودّعه المئات من المواطنين الذين توافدوا من مختلف ولايات الوطن، في مشهد جسّد عمق التقدير والوفاء لرجل دولة ترك بصمة بارزة في تاريخ الجزائر. وقد طبع الحزن والخشوع مراسم التشييع التي جرت بحضور رسمي رفيع أشرف عليه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى جانب شخصيات وطنية وتاريخية، في وداع يليق بمقام أحد أبرز رموز البلاد.
في مشهد مهيب امتزجت فيه هيبة الدولة بصدق مشاعر الشعب، ودّعت الجزائر أحد أبرز رجالاتها، المجاهد ورئيس الجمهورية الأسبق اليامين زروال، الذي وافته المنية تاركًا وراءه إرثًا وطنيًا ثريًا ومسيرة حافلة بالعطاء. حيث تحوّلت باتنة، مسقط رأسه، إلى قبلة للمئات من الجزائريين الذين جاؤوا من مختلف ربوع الوطن لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، في وداع يليق برجل دولة طبع تاريخ الجزائر المعاصر بالحكمة والرصانة. وقد توافد المواطنون بأعداد غفيرة إلى مقر الولاية منذ الساعات الأولى من صباح أمس الإثنين، لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الفقيد. رجال ونساء، شباب وشيوخ، قدموا من مختلف الولايات، في مشهد عفوي يعكس المكانة الرفيعة التي يحظى بها الراحل في وجدان الجزائريين.وقد بدت مشاعر التأثر واضحة على وجوه الحاضرين، الذين اصطفوا في طوابير طويلة، في صمت مهيب، يودعون رجلًا عرف بالهدوء والتواضع، وارتبط اسمه بفترة دقيقة من تاريخ الجزائر، تميزت بقرارات مصيرية سعت إلى إعادة الاستقرار ولمّ شمل الجزائريين.
أشرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الوطني، على مراسم التشييع الرسمية التي جرت بالمقبرة المركزية بوزوران. وقد حضر هذه المراسم كبار مسؤولي الدولة، إلى جانب شخصيات وطنية وتاريخية، وممثلين عن السلكين المدني والعسكري، في صورة جسدت وحدة الدولة وتماسك مؤسساتها.انطلقت مراسم الجنازة عقب صلاة الظهر، حيث نُقل جثمان الفقيد في موكب جنائزي مهيب، رافقته تشريفات عسكرية تليق بمقامه، في أجواء سادها الصمت والخشوع. وقد أدى الحضور صلاة الجنازة، قبل أن يُوارى جثمانه الثرى وسط دعوات بالرحمة والمغفرة، في لحظة مؤثرة اختزلت مشاعر الحزن والاعتراف بالجميل.
جنازة شعبية مهيبة… ورسالة وفاء وطنية
لم تكن جنازة الراحل المجاهد اليامين زروال مجرد مراسم رسمية، بل تحولت إلى حدث وطني جامع، عبّر من خلاله الجزائريون عن وفائهم لرجل خدم بلاده بإخلاص. فقد امتلأت الطرقات المؤدية إلى المقبرة المركزية بجموع المواطنين، الذين أصروا على مرافقة الفقيد إلى مثواه الأخير، رغم الظروف الجوية وبرودة الطقس. كما أن الهتافات الصامتة، والدموع التي انهمرت على وجوه الكثيرين، عكست عمق العلاقة التي ربطت الراحل بالشعب، خاصة وأنه عُرف بقربه من المواطنين وابتعاده عن مظاهر الترف والسلطة، مفضلًا البساطة والصدق في تعامله.في الجانب ذاته يُعد اليامين زروال من أبرز القادة الذين تولوا مسؤولية قيادة البلاد في مرحلة حساسة من تاريخها، حيث تميزت فترته بالسعي إلى تحقيق الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة. وقد عُرف بقراراته المتزنة، وحرصه على تغليب مصلحة الوطن، ما جعله يحظى باحترام واسع داخل الجزائر وخارجها.كما كان الفقيد أحد أبناء الثورة التحريرية، حيث ساهم في مسيرة الكفاح الوطني، قبل أن يواصل خدمته للجزائر في مختلف المناصب التي تقلدها بعد الاستقلال.
وداع يخلّد في الذاكرة… وإجماع وطني حول شخصية استثنائية
أجمع الحاضرون، من مسؤولين ومواطنين، على أن رحيل الراحل يمثل خسارة كبيرة للجزائر، ليس فقط لما قدمه من خدمات جليلة، بل أيضًا لما كان يمثله من رمز للرصانة والاعتدال. وقد تحولت جنازته إلى مناسبة لاستحضار القيم التي جسدها طوال حياته، وعلى رأسها الإخلاص، النزاهة، والتفاني في خدمة الوطن.كما أبرزت هذه المناسبة حجم الإجماع الوطني حول شخصيته، حيث توحدت مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية في وداعه، في صورة نادرة تعكس مكانته في الذاكرة الجماعية.بهذا الوداع المهيب، طوت الجزائر صفحة من صفحات رجالاتها الكبار، لكنها في الوقت ذاته كرّست معنى الوفاء لرموزها الوطنية. فقد كانت جنازة اليامين زروال أكثر من مجرد حدث عابر، بل محطة تاريخية ستبقى راسخة في أذهان الجزائريين، كشهادة على تقدير شعب لا ينسى أبناءه الذين خدموه بإخلاص.وسيظل اسم الراحل حاضرًا في ذاكرة الأمة، كأحد الرجال الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الجزائر، وقدموا نموذجًا للقائد الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
زروال في قلوب القادة الأفارقة
تلقى أمس رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، رسالة تعزية رسمية من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، أعرب فيها عن حزنه العميق لوفاة رئيس الجمهورية الأسبق المجاهد اليامين زروال.وأكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي في رسالته أحر التعازي إلى الحكومة والشعب الجزائري، وإلى عائلة الفقيد، مشيراً إلى تضامن المفوضية مع الأمة الجزائرية في هذه المناسبة الحزينة. كما أشاد بخصال الرئيس الراحل ومناقبه، لافتاً إلى شجاعته وحكمته في قيادة البلاد خلال مرحلة حرجة من تاريخها، وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية بروح التضحية والكرامة.وتأتي هذه الرسالة في إطار الوفاء والتقدير للمسيرة الوطنية المتميزة للرئيس الأسبق، الذي ترك إرثاً غنياً من الجهد والتفاني في خدمة الجزائر، وجسد نموذجاً للقائد الذي يجمع بين الحنكة السياسية والالتزام بمصالح الشعب، ما أكسبه احتراماً وإجماعاً وطنياً ودولياً.
ر.م
