الثلاثاء 24 فبراير 2026
أخبار الشرق

جيل التعب الصامت.. حين يبتسم الشباب وتنهكهم الحياة في الخفاء

لم يعد التعب في زمننا هذا واضحًا كما كان في السابق، لم يعد يُقاس بعرق الجبين ولا بعدد ساعات العمل، بل أصبح تعبًا داخليًا يسكن العقول ويثقل الصدور ويختبئ خلف صور تبدو مثالية على الشاشات. إنّه ما يمكن تسميته بجيل التعب الصامت؛ جيل يعيش مفارقة قاسية بين طموح بلا سقف وواقع بلا ضمانات. لم يكن الشباب يومًا أكثر وعيًا ولا أكثر سعيًا لتطوير أنفسهم كما هو اليوم، فهم يتعلمون باستمرار، يطوّرون مهاراتهم، يتابعون المستجدات العالمية، ويحلمون بمشاريع كبرى وحياة مستقرة، لكنهم في المقابل يواجهون سوق عمل متقلّبًا، وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، وضغوطًا اقتصادية تجعل الاستقرار هدفًا صعب المنال. جيل اليوم ليس كسولًا كما يقال، ولا مدلّلًا كما يُتَّهم. هو جيل يحلم كثيرًا، وربما أكثر مما تسمح به الظروف. يحمل شهادات، يتقن لغات، يتابع دورات، يطوّر مهاراته، يخطط، ويعيد التخطيط… لكنه في كل مرة يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا من طموحه. كما زادت المنصات الرقمية من حدّة هذا الضغط، إذ أصبح الشاب يقارن نفسه بالعالم بأسره، يرى قصص نجاح سريعة ومبهرة دون أن يرى تعقيداتها، فينشأ شعور خفي بالتأخر حتى وهو يسير بخطوات ثابتة. يتحول النجاح من مسار شخصي إلى ضرورة اجتماعية واقتصادية، ويصبح تحسين الظروف المادية ليس رفاهية بل مطلبًا ملحًا، فتتراكم التوقعات وينمو الإحساس بأن كل سنة يجب أن تحمل إنجازًا واضحًا، وكل تأخر يُفسَّر كفشل. هذا الجيل لا يرفع صوته كثيرًا، لأن ثقافة العصر تمجّد القوة الدائمة والإنتاج المستمر، فيختار الصمت ويواصل السعي، يخفي قلقه خلف خطاب التفاؤل، ويكافح ليوازن بين الطموح والقدرة، بين الرغبة في التقدم والحفاظ على تماسكه النفسي. جيل التعب الصامت ليس جيلًا كسولًا، بل جيل يعيش ضغوطًا مركّبة اقتصادية ورقمية ونفسية في آن واحد، ويحاول أن يجد موقعه في عالم سريع التغير، حيث لم يعد الجهد وحده ضمانًا كافيًا للنتائج. ورغم ذلك، يواصل هذا الجيل المحاولة، يتعثر ثم ينهض، يراجع خططه ثم يعيد الانطلاق، وفي هذا الإصرار الهادئ تكمن قوته الحقيقية، قوة لا تصرخ لكنها لا تستسلم.

وربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا عن قياس قيمة الشباب بسرعة إنجازاتهم، وأن نعيد تعريف النجاح بعيدًا عن منطق السباق الدائم. هذا الجيل لا يحتاج إلى مزيد من الضغط، بل إلى بيئة أكثر عدلًا، وفرص أكثر توازنًا، وخطاب اجتماعي يعترف بأن الطريق لم يعد سهلًا كما يُصوَّر. إن دعم الطموح لا يكون بالمواعظ، بل بخلق مساحات آمنة للفشل والتجرِبة والنمو التدريجي. فجيل التعب الصامت لا يطلب امتيازات خاصة، بل يطلب فرصة حقيقية، واعترافًا بأن صمته ليس ضعفًا، بل محاولة مستمرة للصمود في عالم سريع الإيقاع. وربما حين نصغي إليه جيدًا، سنكتشف أن ما يحتاجه ليس أن نطالبه بالمزيد، بل أن نمنحه الثقة والوقت ليبني مستقبله بخطوات ثابتة، لا مستعجلة.

بقلم سلمانية إيمان

مواضيع ذات صلة

تلاميذ قسنطينة يتوجون بالمرتبة الأولى عربيا في مسابقة البرمجة والذكاء الاصطناعي

akhbarachark

جامعة الشهيد عباس لغرور بخنشلة تصادق على مشروع المؤسسة 2026-2030

akhbarachark

مدير الصحة والسكان لولاية الطارف يكشف:  “رصد 85 مليار سنتيم لتعزيز المنظومة الصحية بالولاية”

akhbarachark