تمرّ الذكرى السادسة والعشرون لرحيل أحد أعمدة الأغنية الجزائرية، الشاعر المبدع والملحن الفذ، والفنان العبقري (محمد المحبوب صافر باتي)، المعروف فنياً باسم (محبوباتي)؛ صانع النجوم وعرّاب أغنية الشعبي الحديثة، والرجل الذي كتب اسمه بحروف من ذهب في سجل الفن الجزائري، وأحد أبرز البنّائين الكبار للهوية الفنية الجزائرية في القرن العشرين.
وُلد (محبوباتي) يوم 17 نوفمبر 1919 بالمدية، دخل المدرسة الموسيقية بالمعهد البلدي بالمدية ليتعلم السولفاج وعمره لم يتجاوز 16 سنة، فارقه بعد أسبوعين فقط، ليدخل غمار الحياة كعصامي ضمآن، يبحث عن كل ما هو مفيد ليتعلمه ويتقنه، كتحدٍ لمواجهة المدرسة الكلاسيكية التي لم تتح له الفرصة للدراسة بها. لكن على الرغم من ذلك، فإن هوايته وحبه الكبير للفن وللموسيقى كان أقوى من كل الظروف. فقد تعلّم مبادئ الموسيقى بإرادة عصامية، وأظهر عبقرية في العزف على آلتي الكلارينات والساكسوفون، قبل أن يلتحق في الأربعينيات بالأوركستر المحترف بقيادة مصطفى اسكندراني بالعاصمة، حيث تعلّم العزف على مختلف الآلات التقليدية، ما مكّنه من فهم عميق لبنية اللحن الشعبي وأسراره.
من المدية إلى العاصمة… التكوين في مدرسة الرواد
في أواخر الأربعينات، انضم إلى جوق عاصمي محترف تحت قيادة اسكندراني، في الوقت الذي صادف إنشاء الأجواق الإذاعية كعازف ماهر على آلة الكلارينات، وفي الوقت نفسه انتسب إلى جوق (خليفة بلقاسم) عازفاً على الإيقاع وعدة آلات وترية أخرى. كما انضم إلى فرقة عميد المسرح الجزائري (محي الدين بشطارزي)، ليعمل إلى جانب الأب الروحي للأغنية الشعبية (الحاج محمد العنقة) رحمه الله؛ ففي هذا المحيط الفني الراقي، نهل أصول ” أغنية الشعبي” وقواعدها الصارمة، وتمرّس على الانضباط الفني والالتزام بالمقام والميزان. كما شارك في عدة مناسبات ثقافية وفنية، ما أتاح له الاحتكاك بمشاهير الفنانين والموسيقيين، وتوسيع تجربته المهنية. فقد بدا واضحاً أن (محبوباتي) بات يحمل حسا فنياً استثنائياً، فالكلمة عنده لم تكن مجرد تعبير، بل نبضاً حياً، واللحن عنده لم يكن مجرد نغمة، بل رسالة هادفة. وتكونت شخصيته الفنية في أحضان الثقافة الشعبية، فنهل من روح القصبة – على غرار عمالقة أغنية الشعبي – ومن تراثها الأصيل، فصاغ لنفسه مساراً خاصاً جعله واحداً من أهم كتاب وملحني الجزائر في القرن العشرين.
صانع النجوم… ومهندس النجاح
بعد الخمسينات، وجد نفسه مستعداً لكتابة الكلمات وتلحينها، ولم يكن محبوباتي نجماً تقليدياً يسعى إلى الأضواء، بل كان مهندساً للنجومية من وراء الستار، كتب ولحن لكبار الفنانين الجزائريين، وأسهم في صناعة مجدهم الفني، حتى استحق بجدارة لقب (صانع النجوم).
غنى من كلماته وألحانه نخبة كبيرة من أعلام الأغنية الجزائرية
كانت محاولاته الأولى سنة 1953 مع الفنان (عبد الرحمان عزيز) الذي غنّى له “يا نجمة” سنة 1953، وأعيد تسجيلها في التلفزيون عام 1961، وهي الأغنية نفسها التي أداها الفنان (محمد العماري) على أسطوانة عام 1958، لتشكّل أول حبات العنقود، وإحدى بدايات محبوباتي الفعلية في عالم التأليف والتلحين، ليبدأ هذا التيار المتواصل، والبركان الهائل من الألحان والأشعار والمماويل دون انقطاع، مدة فاقت الأربعين عاماً، أدى خلالها أكثر من خمسين مطرباً ومطربة أغانٍ تُقدّر بالمئات، وكان أغلبها ضارباً في الشهرة، عبر مختلف الطبوع الموسيقية المعروفة في الجزائر، وبهذا كان حضوره واسعاً ومؤثراً في المشهد الفني الوطني. ومن بين الفنانين الذين أدّوا من كلماته وألحانه نذكر: الهاشمي ڨروابي – بوجمعة العنقيس – عمر الزاهي – شاعو عبد القادر – عمار العشاب – نادية بن يوسف – السيدة سلوى… وقد شكلت أعماله معهم محطات مفصلية في تاريخ أغنية الشعبي الحديثة في الجزائر.
أعمال خالدة في الذاكرة
تميز (محبوباتي) بثراء إنتاجه وتنوع موضوعاته، بين العاطفي والوطني والروحي والاجتماعي…
بلغ أوج شهرته في سبعينيات القرن الماضي، من خلال إنتاجات خالدة كتبها ولحنها نذكر منها: “البارح” و”غالط في حسابك” و”ألو ألو” و”بيني وبين حبي” و”الورقة”… وغيرها، للحاج الهاشمي ڨروابي؛ “راح الغالي راح” و”خايف الله” لبوجمعة العنقيس؛ “سالي تراش قلبي” لعمر الزاهي؛ “نستهل الكية” لعمار العشاب؛ “بجاه ربي يا جيراني” لشاعو عبد القادر؛ “يا الوالدين” التي أدّتها نادية بن يوسف وشاعو عبد القادر؛ و”ماتحلفيش” للسيدة سلوى. وكانت نصوصه بسيطة في لغتها، عميقة في معناها، قريبة من وجدان الناس، تعكس مشاعرهم اليومية وأحلامهم وآلامهم، فيما حافظت ألحانه على أصالة الطابع الشعبي مع قدرة واضحة على التجديد دون التفريط في الهوية، مما منحها قدرة على عبور الزمن.
الاعتزال والرحيل
عرف (محبوباتي) بوقاره وهدوئه ونزعته الروحية، ففي سنة 1986، غادر محبوباتي عالم الموسيقى بعد أدائه مناسك الحج، في قرار يعكس نزعة روحية ومحطة تعبر عن تحول داخلي واختيار واعٍ للسكينة والابتعاد عن صخب الساحة الفنية، بعد مسيرة طويلة من العطاء والإبداع. وفي يوم الثلاثاء 22 فيفري 2000، رحل محبوباتي إلى جوار ربه عن عمر ناهز 81 سنة، ودُفن بمقبرة قاريدي بالقبة في الجزائر العاصمة، تاركاً وراءه رصيداً فنياً ثرياً لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية؛ رحل الجسد، وبقيت الكلمات الحية، والألحان الراقية، تنبعث من الراديو وعلى شاشات التلفزيون وكأنها لم تُكتب إلا اليوم. بعد ربع قرن على وفاته، يبقى (محمد المحبوب صافر باتي) حاضراً في الوجدان الجزائري، لا بوصفه فناناً فحسب، بل باعتباره مدرسة في الكتابة والتلحين، وجسراً بين جيل الرواد وجيل الحداثة. سيظل (محبوباتي) رمزاً للكلمة الصادقة واللحن الأصيل، ودليلاً على أن الفن المرتبط بالقيم والهوية لا يشيخ ولا يندثر. رحم الله روحه رحمة واسعة، وجعل فنه شاهدًا له لا عليه. يموت الرجال.. ويبقى الأثر.
بقلم: رشيد سعيدي
