يُحيي مسرح عنابة الذكرى الواحدة والثلاثين لاغتيال الفنان الكبير، الممثل والمخرج المسرحي عزّ الدين مجوبي، رحمه الله، أحد القامات البارزة التي شكّلت ركائز المسرح الجزائري، والذي اغتيل في 13 فيفري 1995 أمام مبنى المسرح الوطني محيي الدين بشطارزي، ذلك الفضاء الذي ارتبط اسمه به فنيًا وإداريًا، وكان قد عُيّن مديرًا عامًا له قبل أشهر قليلة من رحيله المأساوي.
برحيل عزّ الدين مجوبي، فقد المسرح الجزائري أحد أعمدته الأساسية، فنانًا استثنائيًا بصم المشهد المسرحي والسينمائي بأعمال خالدة لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية ووجدان عشّاق الفن الرابع والسابع. فقد تألّق فوق الخشبة وأبدع في الإخراج والتمثيل، ومن أبرز أعماله مسرحية (حافلة تسير) 1985، كما أخرج مسرحيتي (غابو الأفكار) و(عالم البعوش)، اللتين لاقتا نجاحًا كبيرًا ونالتا جائزة أحسن إخراج في مهرجان قرطاج للمسرح بتونس.
كما شارك الراحل في المسرحية الشهيرة (بابور غرق) للكاتب سليمان بن عيسى، وخاض إلى جانب زياني شريف عياد، محمد بن قطاف، صونيا وآخرين تجربة المسرح المستقل في الجزائر، من خلال تأسيس مسرح (القلعة) سنة 1990، حيث أُنجزت أعمال مسرحية بارزة من بينها (العيطة) و(حافلة تسير 2).
وُلد الفنان الراحل عزّ الدين مجوبي بمدينة عزّابة بولاية سكيكدة في 30 أكتوبر 1945، وتعود أصوله إلى حمّام قرقور بولاية سطيف. بدأ شغفه بالمسرح في مطلع ستينيات القرن الماضي، بدعم وتشجيع من الفنان الراحل علي عبدون، والتحق بعد الاستقلال سنة 1963 بمعهد الفنون بالعاصمة. وكانت بداياته الفنية عبر الإذاعة الوطنية بين عامي 1965 و1968، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون والسينما.
شارك عزّ الدين مجوبي في عدد من الأعمال التلفزيونية ذات الطابع الكلاسيكي، من بينها مسلسل (يوميات شاب عامل) لمحمد افتسان، كما شارك في فيلم (خريف) سنة 1988 للمخرج محمد لخضر حمينة، الذي تناول الأحداث التي عرفتها الجزائر خلال أكتوبر 1988.
وساهم الراحل في إثراء الحركة المسرحية بعدة مسارح جهوية، من بينها مسرح بجاية، حيث أخرج مسرحية (لحويـنيتة) سنة 1994، من تأليف علاوة بوجادي، ونال عنها جائزة أحسن إخراج. كما كان له دور بارز في مجال التكوين، إذ شغل منصب أستاذ في الإلقاء والنطق بالمعهد الوطني العالي للفنون الدرامية، جامعًا بين الإبداع الفني والعمل البيداغوجي.
وعلى المستوى الإداري، تقلّد الراحل عزّ الدين مجوبي عدة مناصب، حيث تولّى إدارة المسرح الجهوي بباتنة، ثم المسرح الجهوي ببجاية، قبل أن يُعيَّن سنة 1995 مديرًا عامًا للمسرح الوطني الجزائري محيي الدين بشطارزي. وكان يحدوه طموح كبير للنهوض بالمسرح الجزائري في مرحلة عصيبة من تاريخ البلاد، غير أنّ يد الغدر باغتته بعد فترة وجيزة من تعيينه، لتغتال مشروعًا ثقافيًا وفنيًا واعدًا لم يُتح له أن يرى النور.
شاءت الأقدار أن يُغتال عزّ الدين مجوبي في 13 فيفري 1995 أمام مبنى المسرح الوطني بالجزائر العاصمة، وهو في أوج عطائه وكامل طموحاته، وكان بإمكانه أن يقدّم الكثير للأجيال القادمة، سواء كمبدع أو كمكوّن ومرجع فني. غير أنّ رصاصة جبانة أسكتت ذلك الصوت الصادق الذي كان ينادي بازدهار الفن وتقدّم الوطن، لتبقى أعماله شاهدًا خالدًا على مسيرة فنان آمن بالمسرح رسالةً وحياة. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. يموت الرجال… ويبقى الأثر.
بقلم الأستاذ رشيد سعيدي
