د. أنديرا راضي
“الخيال يصبح عظيما فقط عندما يفيد الإنسان، بعد أن يكتشف قيمته وقوّته من أجل خلقه… وإذا لم يحدث هذا فإنّ الخيال يصبح روحا تتجوّل في الفراغ”. “ماريا مونتسوري”
مقدمة
مثّل كتاب “الجيب” الذي انتشر في منتصف القرن الماضي مصدر متعة غير عاديّة بالنسبة إليّ وأنا تلميذة في المرحلة الإعداديّة والثّانويّة. وكانت كتابات “د. نبيل فاروق” و”د. أحمد خالد توفيق” في أدب الشّباب والفانتازيا والخيال العلمي، خاصة سلسلة “سافاري” و”ما وراء الطّبيعة” و”رجل المستحيل” و”ملف المستقبل” ومغامراتها التي تحبس الأنفاس مجالا لتنشيط الخيال والاستفادة الكبيرة من تشكيله وتغذية الذّكاءات الانفعاليّة المتعدّدة لأجيال عديدة متعاقبة. ووجدتُ في رواية “شلبة” للكاتبة “نزيهة بن عمر” ما يعيد إليّ تلك الذكريات الممتعة وما يرتبط بها من أشخاص وأماكن وأحداث وانفعالات.
معلوم أنّ القصص والرّوايات الأدبيّة تلعب دورا بارزا في حياة الطّفل وتشكيل وجدانه وتكوين خبراته، حيث يصفها أحد الأدباء أنّها “كالفيتامينات للفكر، يحتاج عقل الطفل وخياله منها إلى أنواع مختلفة. كلّ نوع يًعنَى بجانب من تفكيره وشعوره ويقوّي نواحي الخيال فيه. ومن ثّم يجب ألا يقصر الذين يكتبون أدب الأطفال على مجال واحد منه أو نوع بذاته ولا على أدب أمّة واحدة”.
أدب الطّفل، أهميّته وخصائصه
تولي النّظريات التّربوية الحديثة اهتماما خاصّا بالتّكوين الشّامل للطّفل على مستوى بناء الشّخصية والصّفات الجسديّة والنّفسيّة والاجتماعيّة والعاطفيّة والعقليّة. “الأمر الذي حدا بالقائمين على أدب الطّفل إلى صقله بألوان تلبّي احتياجات الطّفل وتناسب قدراته بأسلوب فنيّ جميل، يثير خياله، وينمّي فيه حسن التذوّق وحبّ الجمال، واستيعاب الأدب”. وتعتبر الكتابة للأطفال واليافعين مصدرا مهمّا من المصادر الثّقافية والمعرفيّة والعلميّة، لأنّ الرّوايات والقصص تستطيع تزويدهم بقدر كبير من المعلومات التاريخيّة والجغرافيّة والدينيّة. كما تعتبر معينا خصبا لتطوير القدرات المنطقيّة والتّحليليّة ممّا يحقّق بناء عقليّا سليما متكاملا. فلا شكّ أنّ أدب الأطفال يساهم بشكل غير مباشر في تنمية الوعي المعرفي لديهم وإثراء القدرات الابتكاريّة الإبداعية اللاّزمة لمواجهة المتغيّرات الجديدة في العالم من حولهم. كما يمثل “وسيطا تربويّا يُتيح الفرصة أمام الأطفال لمعرفة الإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم واستخدام الخيال وتقبّل الخبرات الجديدة التي يردفها”.
وأدب الطّفل هو أقرب وسيلة لبناء أفكارهم وإصلاح سلوكهم وتهذيب نفوسهم وتنمية أخلاقهم ورقيّ أذواقهم. ويعتبر من وسائل تنمية ملكات الإبداع والتّنمية الذاتية (حسن المتابعة وتركيز الانتباه). فالنّصوص الأدبية “تتيح مواقف تستدعي من الأطفال دقّة الملاحظة والتأمّل والرّبط والتعليل والاستنتاج وحسن إدراك الأمور وتشجيع الرغبة في تفسير المسائل وحلّ المشاكل وللقصص البوليسية دور في تنمية مهارات التفكير السابقة”. وتساعده على ضبط سلوكياته طبقا لمتطلبات المجتمع أو ما يعبر عنها بالسلوكيات المتحضّرة مثل التعاملات الأسرية والتواصل الاجتماعي وآداب الحديث، وتحريك مشاعر الناشئة نحو انتهاج القيم الإيجابيّة الأفضل وتطبيقها.
درامية التّشويق واستفزاز الخيال:
تقع رواية “شلبة” في(78) صفحة و(21) فصلا، اختارت القاصّة أن تكون في لغة واضحة وتراكيب بسيطة وأسلوب بديع وخطّ درامي غير معقّد أو مركّب وتطوّر تصاعدي سلس، تتنوّع فيها المفردات ممّا يسهل على الأطفال واليافعين فهمها واستيعاب معانيها، فاللّغة ـ كما نعرف ـ وثيقة الصّلة بالتّفكير، الأمر الذي ينمّي لغتهم ويثري قاموسهم اللّغوي ويمكّنهم من اكتساب رصيد معجميّ كبير. تنجح القاصّة في اختيارها الموضوع الذي يثير اهتماماتهم وينمّي خيالهم. كما تنجح في تقديم تفاصيل روايتها بسلاسة جزلة وتمهّل حذر بداية من أوّل الفصل حتى الفصل الرّابع، ثم تنسج بداية من الفصل الخامس الأحداث المريبة الغريبة بسرعة وتصاعد في صفحات تنفلت بين يدي القارئ بفضول وقلق وترقّب. فيبتلع ريقه بصعوبة ويكتم أنفاسه وكأنّه يتابع فيلما ميلودراميّا هتشكوكيّا. ولمزيد من تثمين مكانة اليافع وهو القارئ المستهدف بالطّبع، تختار القاصّة أخَا البطلة/الساردة (الفتى اليافع) ليكون أوّل من يفتح باب غرابة المغامرة حين يسمع حوارا عجيبا غريبا بين رجليْن في مدخل أحد الممرّات بجانب مخزن أمام شجرة زيتون ضخمة في الحديقة الكبيرة لقصر السيّد المضيف للأسرة:
” لقد جمعنا كميّة كبيرة من اللّحم. كلّ الملابس الملطّخة بالدّماء تبدو جديدة. كم تثيرني هذه الرّائحة. رائحة الدّماء تسيل لعابي”.
ورغم ارتعاد فرائص الفتى وفزعه الشّديد، فإنّه يتمالك مشاعره ويضبط انفعالاته ولا يقوم بأيّ ردّ فعل قد يبدو متهوّرا أو غير محسوب، فيسرع الخطى لينقل شكّه وارتيابه لبقيّة أفراد الأسرة، لتتواصل الدراميّة في التّصاعد الحارق. كما تختار أيضا المجموعة المصاحبة للفتى في مغامرته من الإخوة والأصحاب اليافعين من أبناء الطبيب الذين جمعتهم الصدفة به وبأسرته في القصر الضّخم الذي تدور فيه الأحداث غير المتوقّعة.
ومن خلال بناء القاصّة وصياغتها لشخصيّات الرواية الرئيسية (الأطفال اليافعين) من الناحية النفسية والاجتماعية والسلوكية وتطويرها للمواقف الإيجابية داخل النص السّردي، وهو أمر مهمّ وفاعل لضرورة التطوّر الاجتماعي والذّاتي للنّاشئة، فهي تستخدم أسلوبها المتنوّع في التّعبير من المحاورة والأسئلة إلى الصيغ البسيطة التي تساعد على وصول المادة الدّرامية للنّاشئة. نقرأ داخل النص: “إنّه نفس الرّجل الذي تبعناه وأوصلنا إلى منزل العم صالح… ما الذي صيّره على هذه الحالة؟ ومنذ قليل كان يبدو طبيعيا؟ لماذا عيناه حمراوان؟ ولماذا يسيل لعابه بهذه الغزارة؟” وهي بذلك تدفع القاريء إلى إعمال التّفكير والتحليل ودقة الملاحظة والربط بين المواقف السابقة والحالية. وهذا ما يراكم لدى القاريء اليافع خبرات حياتيّة، ذاتية واجتماعية.
كما دعمت جملة من المهارات الحياتيّة الأساسيّة التي يوصي بها علماء التّربيّة في نظريّاتهم الحديثة ليكون الفرد متملّكا للمسؤوليّة الذّاتيّة والاجتماعيّة التي تساهم في تكوين المواطنة الصالحة للجيل القادم القادر على شقّ طريقه في المستقبل بفاعليّة ونجاح وخاصّة مهارات التّواصل مع الآخرين والتّعاون وإدارة الانفعالات وحلّ المشكلات واتّخاذ القرار ومواجهة الضّغوط وإدارة الوقت واستطاعت القاصّة أن تجعل شخصيّاتها تتحلّى بتلك المهارات وتهيء لهم مواقف وحوارات تثبت فاعليّة تلك الصّفات وضرورة وجودها في الحياة الواقعيّة حتى يتحقّق له النّجاح والخروج من المآزق، حتى وإن كانت في إطار أحداث دراميّة إبداعية متخيّلة. فها نحن نتابع غرابة ما يراه الفتى/ البطل من أحداث تقع تحت سمعه وبصره إلاّ أنّه يقرّر التّريّث والسّيطرة على مشاعره وحالته الجسديّة بيولوجيّا وينتظر الوقت المناسب للمغادرة أو الوصول إلى العائلة لإبلاغها. ونستشفّ ذلك ممّا جاء على لسان أخته حين تقول: “سرعان ما غادر الرّجل … خرج أخي من مكانه بهدوء وحذر وهو يغالب القيء ويشعر بدوار وغثيان. وما إن وصل باب الغرفة حتى قال في نفسه الطريق آمن. ثم عاد إلى الاختباء وراء الزيتونة.”
درامية الواقع والسّرد التخيّيلي:
رغم استخدام أسلوب المفاجأة ووجود عنصريْ التّشويق والإثارة في سرد الأحداث منذ الصّفحات الأولى، وهي تصف المكان داخل القصر الضّخم، “الغريب أنّه في كلّ غرفة توجد امرأتان أو ثلاث. وقد اندهشنا لهذا الأمر … ونحن متعجبتان نسترق النظر إلى بقيّة الغرف ونتبادل النظرات … فهمت أمي كما فهمت أنّ الأمر غير عاديّ، لكننا غضضنا الطرف.” ورغم استعراضها لملامح العاملين داخله وصفاتهم، “كانت المضيفة تحدّق فينا بنهم كما يحدّق جوعان في دجاجة محمرة يتقاطر شذاها … كانتا تنظران إليّ تارة وإلى أمّي طورا آخر وتكتمان ضحكة غريبة كمن عثر على كنز.” ثم تقديمها لملامح وسلوك البعض داخل القصر “رمقتنا بنظرة غريبة ثم قالت: لا تخجلن، كُلن بشراهة، ما أروعكن. ثم انصرفت. لاحظنا احمرار عينيْها وسيلان لعابها أكثر من الأخريات.”
إلا أنّ القاصّة لم تتخلَّ عن تقديم جانبٍ واقعيٍّ معتبرٍ، يجسّد العوالم الحقيقيّة للحياة في جزيرة “جّربة”. كما استطاعت أن تقدّم وصفا أمينا لتفاصيل دالّة تستذكر من خلالها تفاصيل رحلتك إلى هناك إن كنت زرتها، أو ترسم لك خطوطا هادية تشجّعك وتغريك بزيارة قريبة.
من المصافحة الأولى لدفّتيْ الرّواية (الإهداء) ونحن نستشعر الارتباط العاطفيّ الحميميّ لوجود الأسرة والوفاء للأماكن وخصوصيّة التّفاصيل (البطاح ـ سوق الربع ـ الجبّة ـ البلوزة العربي ـ الدُكّانة ـ حومة السّوق والقرى المجاورة لها ـ الحوش ـ القباب ـ الطّوابي ـ الخبّاية ـ الرغّاطة ـ أسماء الأكلات والنباتات …) تأخذنا الساردة/ البطلة معها صحبة أفراد أسرتها، داخل الحوانيت والمتاجر بين الشّوارع والأزقّة حيث تباع مختلف البضائع التقليدية. وتدمج في تمازج ناعم الخيال وما لا يقبله العقل والمنطق بتفاصيل الحياة الواقعيّة للبطلة وأخيها وأفراد أسرتها وجيرانها.
ثم تعود القاصّة مرة أخرى لأحداث الحياة الواقعيّة بتفاصيلها التّقليديّة من خلال السّرد الدّرامي في الفصل الثّامن عشر لعرس إبنّة الشّيخ الذي فتح للأسرة أبواب بيته واستضافهم وأمّنهم حتى تنتهي الأخطار. وبذلك تنفتح نافذة، تحكي لنا من خلالها بشكل فرجوي عن مستلزمات الإعداد للعرس من ملابس مناسباتيّة وترتيب للبيت وتزيين الغرف، وعن ممارسات اجتماعيّة تخصّ استقبال الضّيوف، ثمّ طقوس ليلة “التّظريفة” أو يوم الحنّة وتفاصيل الأغاني والرّقصات في “المحفل” وصولا إلى موعد انطلاق “الجّحفة” التي تحمل العروس إلى بيتها في “تونس” عبر “البطّاح”. وبذلك كلّه تنجح القاصّة في نسج تفاصيل الواقع مع أحداث الحكاية الخياليّة وما تحويه من مخاطر وتوتّر متصاعد إلى أن تحين لحظة التكشّف والمفاجأة والنّهاية. وهو تنوّع انفعاليّ ثريّ، يخدم الكتابة الدّراميّة الموجهة للنّاشئة.
دراميّة الأحداث والعلاقات:
رواية “شلبة” سرديّة مفتوحة ومحفّزة للتّفكير النّقديّ والإبداعيّ. تمتلئ بحوارات نابضة بالحياة في تطوّر حافل بالتّفاصيل الممتعة. كما تدفع الأحداث المُصاغة وحوارات الشّخصيّات القاريء الفتيَّ إلى تملّك عمليّات التّصنيف والتّحليل والرّبط واكتشاف المختلف والمتشابه. وتمكنّه من التّدريب على التوقّع وحلّ الألغاز وتفسير الأحاجي ويعزّز لديه دقّة الملاحظة والتّركيز ويساعده على ابتكار الحلول والخروج من المشاكل وتطوير الذّكاء العاطفيّ.
وأوّل العلاقات التي تعترضنا في الرّواية هي علاقة بطلة الرّواية بأسرتها وواقعيّة الأحداث اليوميّة الطّاغية على السّرد. وهي علاقة حياتيّة ثريّة نشعر بالألفة معها رغم النّقد واختلاف وجهات النّظر بين الأجيال (الفتاة والوالدين) إلاّ أنّ روح الأسرة التّونسيّة وقيّمها المحافظة والمتماسكة التي يحفظ بعضها بعضا ويخاف أفرادها بعضهم على البعض الآخر ويهتمّ الفرد فيها بالجميع، تبقى حاضرة في العمق وتظهر وقت أخطار المغامرة ومهالكها المُميتة. وكلّ ذلك يؤكد على نجاح تمسّك القاصّة بخصائص الكتابة للنّاشئة وبتثمين القيم الإيجابية الفُضلى للمجتمع. ثم تنسج القاصّة العلاقات الاجتماعيّة الأخرى المتشابكة ما بين أهل القرية وأصدقاء الأسرة (التاجر، الشّيخ، الضّيوف، الطّبيب، الجيران، المارّة) على مناويل ما ألفته العلاقات التّقليديّة المحافظة على قيم المجتمع الجّربي التي تبرزها القاصّة في نماذج، فتظهر مثلا في زيارة المريض ومشاركة الأعراس ومساندة المحتاج. وهي بذلك تدعم الأخلاق العامّة والقيم الإيجابيّة والعادات والتّقاليد المجتمعيّة الرّاسخة بين الأجيال.
دراميّة الصّور المرافقة:
تحتوي الرّواية على نوعين من الصّور المرافقة، وكلّها بالأبيّض والأسود انسجاما مع الأصالة وزمن الأحداث ومكانها. ويحوي النّوع الأوّل صورا تمثّل أصالة المنطقة الجغرافية (جزيرة جربة). حيث نرى فيه صورة الأمّ والأب بلباسهما التّقليدي المميّز. (ص7) ثم تتكرّر الصّورة في (ص 18، ص 49) وتكرار الصّورة من تكرار المعاني وتأكيدها، ودعم لأصالة العادات والتّقاليد المجتمعيّة. بالإضافة لى صور أخرى ترافق الأحداث وتؤكّد الطّبيعة التّقليدية والأصالة في القرية الجّربية. فنرى في (ص 49) رجليْن يقفان مقابل الحائط في أحد شوارع “حومّة” شعبيّة بين باب بيت تقليدي من الخشب بمطرقة حديدية في وسطه وبين نافذة تزيّنها ظلال الأشجار. كما نرى في (ص 72) صورة عنصرين من الفرقة الموسيقيّة بلباسهما التّقليديّ، يقفان وسط الرّمال حافِيَيْ الأقدام، أحدهما يعزف على المزمار والآخر يضرب على طبل ضخم بعصاه. وفي نهاية أسطر الرّواية (ص78) صورة للعريس يقف في المنتصف بلباسه التّقليدي وهو يحمل ورودا وأغصانا وعلى يمينه تقف فتاة قد تكون أخته في ملابس تقليديّة وكأنّها تزغرد فرحا وعلى أصابعها تبدو آثار الحنّة ظاهرة جليّة، وعلى يساره تقف سيّدة قد تكون أمّه بملابسها التّقليدية تترقّب وصول العروس.
وأمّا النّوع الثّاني من الصّور التي تقابلنا وتتكرّر (ص 24، ص 56، ص 61) قد تبدو مخيفة بعض الشّيء ولكنّها تناسب الأحداث الخيالية التي تُخيّم على مجرى الرّواية. فهي لأناس مُغيّبين قد تكون من أثر حالة انجذاب لقوى ما أو هي تحت تأثير سحرٍ أو مخدّر خفيّ. ويظهر ذلك من خلال حركة الأجساد وشكل العيون وملامح الوجوه. ثمّ تطالعنا صورة ثالثة لآكلي لحوم البشر “كانيبالز” ص (30) وهي صوّر مخيفة إلى حدّ كبير، تثير في نفس القارئ اليافع التّساؤل وتبثّ في ذهنه الفضول ليبحث بعينيْه، عمّا يترجم تساؤلَه ويروي فضولَه وتشوقّه بين صفحات الرّواية من أحداث تفصيلية للمغامرة العجيبة.
وعلى غرار هذا النّوع المخيف من اللّقطات نرى (ص 44) صورة أخرى لرأس فتاة نائمة تلوح فوق وسادتها وحولها أيادٍ سوداء وشبكةُ عنكبوت وعناكبُ أخرى سوداء صغيرة، كأنها تسري فوق الوسادة وعلى الغطاء.
ثم في (ص 68) نرى في الصّورة سريرا أبيض بالمنتصف، ينام فوق فراشه الوثير فتى أو فتاة، وفي خلفيّة الصّورة تطلّ الأشباح باللّون الأسود من وراء فراشه ومن أسفل سريره بأنيابها الظّاهرة وضحكتها المخيفة وأظفارها الطّويلة المدبّبة بشكل يوحي بأنّها تترصّد للهجوم.
وفضلا عن ذلك ينبجس أمامنا الرّسم الكاريكاتوري المعبّر في نهاية الفصل (9) والفصل (16) وهو يصوّر أحد الأشخاص المخيفين وهو يسير حافيَ القدميْن، مُقطّع الثياب جاحظ العينيْن، بأسنان كبيرة تبدو هي كلّ فمه، وهو يمدّ ذراعيْه بأصابع طويلة، وكأنّ الرّسم هو بقيّة السّرد الدّرامي وامتدادٌ لتوضيح المعنى. نقرأ في نهاية الفصل التاسع، عبارات: “وما إن غادرنا حتى سمعنا الأطفال يصرخون ويصيحون وانطلقوا وراءنا. لكنّهم ما إن وصلوا إلى الباب حتى توقّفوا ولم تطأ أقدامهم الزقاق”. فجاء الرّسم الكاريكاتوري كأنّه تجسيدٌ لمصدر خوفهم وسبب صراخهم والدّافع لفزعهم.
وهذا النّوع الثّاني من الصّور والرّسوم يدعم الجانب المخيف والغريب والعجيب من أحداث الرّواية. وهي تساعد على إبراز عنصريْ التّشويق والإثارة، وتحثّ القارئ على إكمال الأحداث والوقوف على تفاصيل المغامرة وتدفعه إلى الوصول نحو النّهاية.
خاتمة
يقول “ساراماغو” المسرحيّ البرتغاليّ: “لا أتميّز في شيء عن أيّ شخص في الدنيا، غير أنّني احتفظت بالطّفل الذي في داخلي حيّا”. هكذا هي القاصّة “نزيهة بن عمر”، تحيا بروح الطّفلة النّديّة العابثة التّلقائيّة، المغرمة بالمغامرة، العاشقة لنشوة الحياة. اختارت أن يكون أوّل إنتاجها السّردي قصّة خياليّة مفعمة بالمغامرة للأطفال اليافعين. فهنيئا لها بهذا الإصدار الممتع.
فقد أخلصت القاصّة لذكرياتها، لطفولتها، لمسقط رأسها، لجزيرة “جربة” التي كانت المنبع الرئيس لخصوصيّة التّفاصيل. كما أخلصت لقارئها المستهدف ـ وهي المربّية والمعلّمة ومديرة المدرسة ـ التي أروت فضوله وأمدّته بما يطوّر الذّات ويغذّي الخيال وينمّي المهارات ويعزّز الإبداع ويهذّب الوجدان بما يثيره في النّاشئة من العواطف الإنسانية النّبيلة.
وختاما، يمكن القول إنّ رواية “شلبة” وإن كانت تعرض قصّة مرعبة فإنّها ـ أوّلا وأخيرا ـ تُسوّقُ لجمال العادات وعمق العلاقات وزهو التّقاليد في “جّربة” – جزيرة الأحلام – من خلال أحداث مشوّقة وشخصيّات محبّبة إلى النّفس التي تؤثّث ردهات رواية فتضفي عليها من متعة التّشويق وجمال المعنى الكثير، الكثير.
قائمة المصادر والمراجع
المصادر
ـ نزيهة بن عمر: “شلبة” رواية لليافعين ـ دار ورقة للنشر ط1 ـ تونس ـ 2025.
المراجع
– اسماعيل عبد الفتاح: أدب الأطفال في العالم المعاصرـ ط 1 ـ مكتبة الدار العربية ـ القاهرة ـ2000.
– حسن شحاته: أدب الطفل العربي ـ ط2 ـ الدار المصرية اللبنانية ـ القاهرةـ 1994.
– عبد الفتاح أبو معال: أدب الأطفال ـ ط 2 ـدار الشرق للنشر والتوزيع ـ عمان ـ 2000.
علي الحديدي: في أدب الطفل ـ ط2 ، مكتبة الأنجلو المصرية ـ القاهرة ـ 1972.