لا تعاني كثير من المؤسسات من نقص في القوانين أو شحّ في الموارد بقدر ما تعاني من أنماط سلوكية إدارية غير مرئية، تتسلل بهدوء إلى مفاصل العمل وتُفرغ المنظومة من معناها الحقيقي. سلوك لا يظهر في التقارير الرسمية، لكنه حاضر بقوة في بطء اتخاذ القرار، وتراجع الأداء، واستنزاف الطاقات البشرية. فئة لا تُقاس بما تُنجز، بل بما تؤجّله، ولا تُعرف بما تتحمّل، بل بما تتفادى.
هذا النمط الإداري يعمل غالبًا في الظل، بعيدًا عن المواجهة المباشرة وتحمل المسؤولية. أفراده يبرعون في إدارة العلاقات أكثر من إدارة المهام، ويجيدون التموضع داخل المؤسسة دون أن يتركوا أثرًا إنتاجيًا واضحًا. يظهرون عند الأزمات لتبادل التبريرات، ويغيبون عند لحظة القرار، ويحوّلون العمل الجماعي إلى مسارات فردية يكون هدفها الأساسي البقاء لا النجاح.
ولا تكمن الإشكالية في وجود هذا السلوك فحسب، بل في البيئة التي تسمح له بالاستمرار والتمدد. فعندما تُقدَّم ثقافة الولاء على الكفاءة، وتُستبدل المحاسبة بالمجاملة، يصبح الاجتهاد عبئًا بدل أن يكون قيمة، ويُنظر إلى الموظف المتميز كتهديد غير معلن. في مثل هذه الأجواء، يبدأ تهميش الكفاءات، وتنتشر الإشاعة بدل المعلومة، ويتحوّل الروتين إلى غطاء يحمي العجز ويمنح الفشل صفة الاستقرار.
ومع مرور الوقت، تدفع المؤسسة ثمنًا باهظًا. قرارات تتأخر، مشاريع تتعطل، طاقات تغادر في صمت، وروح مهنية تُستنزف دون ضجيج. قد يبدو المشهد من الخارج مستقرًا، غير أن الداخل يعاني ركودًا عميقًا، لأن العمل لم يعد قائمًا على المبادرة والإنجاز، بل على تفادي الخطأ والخوف من التغيير.
إن معالجة هذا الخلل لا تكون بإجراءات شكلية أو خطابات عامة، بل بإعادة الاعتبار لمعنى الإدارة ذاته، من خلال قيادة واعية تمتلك الجرأة على الرؤية والمساءلة، ونظام تقييم يقيس النتائج لا الخطاب، وشفافية تقلّص مناطق الظل وتُعيد للعمل قيمته. فالمؤسسة التي تتسامح مع السلوك الإداري الطفيلي لا تكتفي بالتعايش مع ضعف الأداء، بل تشارك فعليًا في صناعته.
بقلم سلمانية إيمان
