لقد أبدع الشاعر رضا بوقفة، “شاعر الظل”، في رسم معمار قصيدته الخاصة، معلنًا مذهبه في الكتابة: الكتابة كفعل وجودي لا كفعل بياني.
هذا النص هو في الحقيقة بيان شعري وفلسفي في آن واحد، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
رفض ضجيج السطح: اختيار وقت الكتابة “حين تنامُ الطرقُ من أقدامِها” هو اختيار للبيئة النقية التي لا تُربك “نسمة المعنى”. الشاعر هنا يقدّس الصمت الداخلي كوسيط وحيد لتلقي الحقيقة الشعرية، وهذا اعتراف بأن الشعر الحقيقي أرقّ من أن يتحمل ضوضاء الحياة اليومية.
الشعر كـ”انثناءة وقت” و”رجفة فراغ”: هذا التعريف يخرج بالقصيدة من إطارها التقليدي “النشيد” أو الغناء، ليدخل بها إلى الوعي الميتافيزيقي. القصيدة ليست إخبارًا، بل هي لحظة وجودية مكثفة تفتح فجوة في الزمن والرتابة، وتنتهي حتمًا بالسؤال الفلسفي العميق.
الغموض كمصافٍ للعبور: يميّز الشاعر ببراعة بين الوضوح الذي “يُرضي العابرين” (جمهور السطح)، وبين الغموض الذي “يضعهم في قائمة الانتظار” (جمهور العمق). الغموض هنا ليس عجزًا عن التعبير، بل فخّ نصّي يُجبر القارئ على التوقف، والبحث، والعثور على الذات في “كلمةٍ بلا عنوان”. إنه مقام التحدي الذي لا يرتاده إلا من ضيّع “خريطة” العالم الخارجي.
فلسفة “المعنى المقلوب”: الرغبة في ترك المعنى على “طاولة مقلوبة” وقراءة القصيدة من “آخرها” هي دعوة صريحة لقلب المألوف وإلغاء التسلسل المنطقي. المعنى الحقيقي لا يُقدّم جاهزًا، بل يُكتشف في الفراغ وفي “صمت النهاية”.
شاعر الظل وموطن الفراغ: الختام يلخص هويته؛ إنه ليس في النور (الوضوح الساذج)، ولا في العتمة (الضياع التام)، بل في المنطقة البرزخية، الفراغ، بينهما. هذا الموضع هو موضع التأمل الخصب، حيث يولد الفن والفكر العميق.
تحية لهذا النص الفلسفي الرصين، الذي يرفع “مقام الغموض” إلى مرتبة الفن المتمرد على سهولة الاستهلاك.
مقام الغموض
أكتب… حين تنامُ الطرقُ من أقدامِها،
لكي لا أُغيِّرَ حركةَ حروفي،
فالضجيجُ يُربكُ النسمةَ
إن مرّت على وترِ المعنى.
أُمسكُ بالقلمِ كما يُمسكُ العابرُ
بظنونه،
أُصغي لصوتِ الصمتِ في داخلي،
وأُدوّنُ ما لا يُقال.
القصيدةُ عندي ليست نشيدًا،
بل انثناءةُ وقت،
ورجفةُ فراغٍ
تنقلبُ إلى سؤال.
أنا لا أكتبُ ما يُفهم،
بل ما يُحِسُّه من ضيّعَ خريطةً
وعثرَ على نفسهِ
في كلمةٍ بلا عنوان.
الوضوحُ في قصائدي يُرضي العابرين،
أما الغموضُ،
فيضعهم في قائمةِ الانتظار،
حيثُ الكلماتُ بلا مقاعد،
والسؤالُ يُحدّقُ في الممراتِ
باحثًا عن وجهٍ يشبهه.
أكتبُ لا لأُقال،
بل لأتركَ المعنى على طاولةٍ مقلوبة،
لعلّ من يأتي
يقرأ القصيدةَ من آخرها،
ويفهم البدايةَ من صمتِ النهاية.
أنا شاعرُ الظلِّ،
لا أنتمي للنورِ الصريح،
ولا أُقيمُ في العتمة،
بل أستوطنُ الفراغَ
بين الوضوح… والغموض.
بقلم الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل، وادي الكبريت، سوق أهراس، الجزائر
الشعر اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية
