الخميس 2 أبريل 2026
أخبار الشرق

أقواس حدوة الحصان.. بوابة الذاكرة الإسلامية في مدخل عنابة

تستوقف الزائر لمدينة عنابة ملامح معمارية تحمل في طياتها رسالة عميقة تتجاوز البعد الجمالي، لتلامس جذور الهوية الحضارية. ومن بين هذه الرموز البارزة، تبرز أقواس “حدوة الحصان” كواحدة من أهم العناصر التي تختزل تاريخ العمارة الإسلامية، وتعيد ربط الحاضر بماضٍ زاخر بالإبداع والروحانية.

هذا المجسم المعماري المشيد عند مدخل المدينة لا يمثل مجرد عنصر تزييني، بل يشكل بوابة رمزية تعلن للوافدين أن عنابة ليست فقط مدينة ساحلية جميلة، بل هي فضاء حضاري احتضن عبر القرون ثقافات متعددة، وصاغ لنفسه طابعا معماريا مميزا متجذرا في الفن الإسلامي.

وتعد أقواس حدوة الحصان، أو ما يعرف بـ “Arc outrepassé”، من أبرز السمات المعمارية التي انتشرت في الحضارة الإسلامية، خاصة في الأندلس وشمال إفريقيا. وقد تميزت بانحنائها الفريد الذي يتجاوز نصف الدائرة، ما يمنحها بعدا جماليا وروحيا يعكس الانسجام بين الفن والعقيدة.

في عنابة، يجد هذا الطراز تجسيده الأصيل في مسجد أبي مروان، أحد أقدم المعالم الإسلامية في المدينة، والذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر الميلادي، بطابع أندلسي واضح، مستفيدا من أعمدة رومانية في تركيبته المعمارية. هذا الامتزاج بين الإرثين الإسلامي والروماني يعكس عبقرية المعمار المحلي في توظيف التاريخ لصناعة هوية متفردة.

إن اختيار هذا الشكل الهندسي ليكون جزءا من مدخل المدينة ليس اعتباطيا، بل هو فعل ثقافي واعٍ، يعكس رغبة في تثبيت الذاكرة الجماعية وتعزيز الانتماء الحضاري. فالمدن لا تعرف فقط بشوارعها ومبانيها، بل أيضا بالرموز التي تختزل روحها، وتقدّم نفسها من خلالها للعالم.

وتعرف عنابة، التي تعود جذورها إلى العصور الفينيقية قبل أن تصبح “هيبون” في العهد الروماني، بأنها مدينة تعاقبت عليها حضارات عدة، قبل أن تدخل تحت الحكم الإسلامي في القرن السابع الميلادي، لتصبح مركزا تجاريا وثقافيا مهما. هذا العمق التاريخي يجعل من أي عنصر معماري مستوحى من التراث الإسلامي امتدادا طبيعيا لذاكرة المدينة. كما أن وضع هذا المجسم عند مدخل المدينة يمنحه بعدا رمزيا إضافيا، إذ يتحول إلى رسالة ترحيب ثقافية موجهة للزائر، مفادها أن عنابة لا تزال تحتفظ بجذورها، وتعتز بهويتها الإسلامية التي تشكل أحد أهم مكونات شخصيتها العمرانية. وفي ظل التحولات العمرانية المتسارعة، يبرز الحفاظ على مثل هذه الرموز كضرورة ثقافية، وليس مجرد خيار جمالي. فصون هذا المجسم بصيغته الحالية يضمن استمرارية الذاكرة البصرية للمدينة، ويعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخها.

إن أقواس حدوة الحصان في مدخل عنابة ليست مجرد تصميم معماري، بل هي قصة حضارة تروى بصمت، ودعوة مفتوحة لاكتشاف مدينة تجمع بين البحر والتاريخ، وبين الحداثة والأصالة.

سلمى حطاب

مواضيع ذات صلة

تدشين المقر الجديد للمركز الثقافي “سيرفانتس”

akhbarachark

“صالون المواهب النسائية” منصة لاكتشاف الطاقات وتثمين التراث

akhbarachark

روسيكادا تحتفي بالشعر في عيده العالمي وتكرم أصوات سكيكدة المبدعة

akhbarachark