في ظرف دولي يتّسم بتصاعد التوترات السياسية، وعودة شبح النزاعات الكبرى، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والديون السيادية حتى في الدول الصناعية الكبرى، تبرز الجزائر مع مطلع سنة 2026 بمسارٍ مختلف، قائم على الفعل الميداني والاستثمار في المشاريع الاستراتيجية طويلة المدى، بعيدًا عن منطق الحلول الظرفية أو الخطابات الانفعالية. فخلال أسابيع قليلة فقط، حققت الجزائر جملة من الإنجازات النوعية في مجالات التكنولوجيا، البنية التحتية، والصناعة المنجمية، وهي إنجازات اعترف بها المتابعون دوليًا، وأكدت أن ما يُعرف بـ«الجزائر الجديدة» لم يعد مجرد شعار، بل مسارًا يتجسد في مشاريع ملموسة ونتائج قابلة للقياس.
التوجه نحو الفضاء..شراكة علمية تعكس طموح الدولة
يُعدّ إطلاق صاروخين استطلاعيين بالتنسيق مع جمهورية الصين الشعبية خلال فترة زمنية قصيرة خطوة بالغة الدلالة، ليس فقط من حيث البعد التقني، بل من حيث الرؤية الاستراتيجية للدولة الجزائرية. فالاستثمار في المجال الفضائي يعكس: – إرادة واضحة للدخول في الصناعات عالية التكنولوجيا . – توجهاً نحو تعزيز السيادة في مجالات المراقبة، الاتصالات، والدراسات البيئية. – انخراطًا مدروسًا في شراكات دولية قائمة على نقل المعرفة وبناء الكفاءات. وهو ما يؤكد أن الجزائر لم تعد تكتفي باستهلاك التكنولوجيا، بل تعمل تدريجيًا على امتلاك أدواتها.
سكة حديدية وطنية بأبعاد قارية..بنية تحتية تصنع الفارق
فمن أبرز المشاريع التي دخلت حيّز التنفيذ إعطاء إشارة الانطلاق الرسمي لمشروع السكة الحديدية الرابطة بين بشار وتندوف ووهران، ضمن شبكة وطنية يتجاوز طولها 9000 كيلومتر، تُعد من بين الأطول في المنطقة. ويكتسي هذا المشروع أهمية خاصة لعدة اعتبارات: – كونه يربط الجنوب العميق بالشمال، ويعزز التكامل الاقتصادي بين مختلف المناطق؛ – اعتماده على عربات وتجهيزات من صنع جزائري وبأيدٍ وطنية، ما يعكس تطور الصناعة المحلية؛ – مساهمته في تقليص تكاليف النقل، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل مستدامة. إن هذا الإنجاز لا يمثل مجرد مشروع نقل، بل رافعة حقيقية للتنمية الشاملة، ورسالة واضحة بأن الجزائر قادرة على إنجاز مشاريع كبرى بإمكاناتها الذاتية.
غار جبيلات.. من حلم مؤجل إلى واقع استراتيجي
بعد عقود من الانتظار، دخل منجم الحديد بغار جبيلات مرحلة الاستغلال الفعلي في ظرف زمني قياسي لم يتجاوز 23 شهرًا، مخالفًا كل التقديرات السابقة التي كانت تصنفه كمشروع صعب المنال. ويُعدّ هذا الإنجاز: – ترجمة لإرادة سياسية قوية في – تثمين الثروات الوطنية؛ – خطوة حاسمة نحو بناء صناعة حديد وطنية متكاملة. – تحقيقًا لحلم استراتيجي راود الرئيس الراحل هواري بومدين، وتجسيدًا لآمال الشهداء الذين ناضلوا من أجل سيادة القرار الاقتصادي. فغار جبيلات اليوم لم يعد مجرد منجم، بل دعامة من دعائم الأمن الاقتصادي والصناعي للبلاد.
بين الواقع والتشويش.. الحاجة إلى قراءة مسؤولة
رغم وضوح هذه المعطيات، لا تزال بعض الخطابات تحاول التقليل من قيمة ما تحقق، عبر التشكيك أو التهوين، مستغلة أحيانًا مشاعر المواطنين أو حالة الشك العام. غير أن القراءة الموضوعية تفرض التمييز بين: النقد البنّاء القائم على الأرقام والوقائع؛ والتشويش الذي لا يقدم بديلاً ولا رؤية. فالدول تُقاس بقدرتها على الإنجاز في الأوقات الصعبة، لا بكثرة الشعارات . ولا يمكن قراءة هذه الإنجازات بمعزل عن الإطار السياسي الذي أتاح تحققها، إذ ما كانت لترى النور لولا التوجيهات المباشرة للسيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وما رافقها من إرادة واضحة لإعادة الاعتبار للعمل الميداني، والاعتماد على الرجال المخلصين لله والوطن، الذين وضعوا المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار، وحوّلوا التوجيهات إلى إنجازات ملموسة في آجال قياسية. إن ما حققته الجزائر في بداية سنة 2026 يؤكد أن مسار البناء الوطني يسير بخطى ثابتة، مستندًا إلى الإخلاص للوطن، والوفاء لتضحيات الشهداء، والإرادة السياسية التي تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار. وفي عالم مضطرب، تُثبت الجزائر أن الرهان على العمل، والاستثمار في الإنسان والموارد، هو الطريق الأجدى لصناعة المستقبل، بعيدًا عن الضجيج، وقريبًا من الواقع.
